منتدى توتة و حدوتة

هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

ضفحة رقم [ 4 ] من كتاب الصداقة والصديق

avatar
توتة
Admin

عدد المساهمات : 1684
تاريخ التسجيل : 13/02/2014

ضفحة رقم [ 4 ] من كتاب الصداقة والصديق Empty ضفحة رقم [ 4 ] من كتاب الصداقة والصديق

مُساهمة من طرف توتة الخميس 15 يوليو - 12:51

ضفحة رقم [ 4 ] من كتاب الصداقة والصديق Sadaka10

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
مكتبة ألأسرة الثقافية
الصداقة والصديق
ضفحة رقم [ 4 ] من كتاب الصداقة والصديق 1410

كتب أبو النفيس إلى صاحب له كان يغشاه كثيراً، ويباثه طويلاً:
بسم الله الرحمن الرحيم
ليس ينبغي - أبقاك الله - أن تغضب على صديقك، إذا نصح لك في جليلك ودقيقك، بل الأقمن بك، والأخلق لك أن تتقبل ما يقوله، وتبدي البشاشة في وجهه، وتشكره عليه حتى يزيدك في كل حال ما يجملك، ويكبت عدوك، والصديق اليوم قليل، والنصح أقل، ولن يرتبط الصديق إذا وجد بمثل الثقة به، والأخذ بهديه، والمصير إلى رأيه، والكون معه في سرائه وضرائه، فمتى ظفرت بهذا الموصوف فاعلم بأن جدك قد سعد، ونجمك قد صعد، وعدوك قد بعد والسلام.
شاعر:
وكان الصديق يزور الصديق ... لشرب المدام وعزف القيان
فصار الصديق يزور الصديق ... لبث الهموم وشكوى الزمان
شاعر:
أتطلب صاحباً لا عيب فيه ... وأي الناس ليس له عيوب
شاعر:
وواثق باعتقادي ليس ينصفني ... إذا تزيدت رفقاً زاد عدوانا
أضربي حسن خلقي عند عشرته ... وربما ضر حسن الخلق أحيانا
وأنشد العطافي فيما رواه لنا المرزباني عن أبي عمرو عنه:
عنف العتاب ملجة ... فتوق من عنف العتاب
واستبق خلة من يلو ... م فذاك أدنى للإياب
واصفح عن الأمر الذي ... إعلانه هتك الحجاب
آخر:
كفى حزناً ألا صديق ولا أخ ... أفاد غنى إلا تداخله كبر
وإلا التوى أو ظن أنك دونه ... وتلك التي جلت فما عندها صبر
فلا زاد فوق القوت مثقال ذرة ... صديق ولا أوفى على عسره يسر
وما ذاك إلا رغبة في إخائه ... وإلا حذار أن يميل به الغدر
ومن صحب الأيام عاتب صاحباً ... وحالف عذالاً وأدبه الدهر
امرؤ القيس:
وخليل قد أفارقه ... ثم لا أبكي على أثره
شاعر:
لا مرحباً بوصال ذي ملق ... تكدي مودته ولا تجدي
وإذا الصديق ذممت خلته ... صيرت قطع حباله وكدي
حتى أرى خلاً يعاشرني ... بمودة أطرى من الورد
آخر:
وصلتك لما كان ودك خالصاً ... وأعرضت لما صار نهباً مقسماً
ولن يلبث الحوض الوثيق بناؤه ... على كثرة الوراد أن يتهدما
شاعر:
ليهنئك بغض في الصديق وظنة ... تحدثك الشيء الذي أنت كاذبه
وكتب عبد الله بن المعتز إلى صديق له: قد أعدت ذكر تصحيح المودة وإخلاص الموالاة بعد أن أكدهما الله لك مني، ومنك عني، وحللت أعلى المراتب من قلبي، وحزت أجزل الحظوظ من ودي، وخاطبك بذلك ضميري، وظهر شاهده من فعلي، فلا تزرين على ما بيننا بالاستزادة بما لا مزيد فيه، والتذكير بما لا ينسى، والتجديد لما لا يخلق، والوصف لما قد عرف، حتى كأن الإخاء معتل، وعقد الوصل منحل، والثقة لم تقع، والهجر متوقع، وسوء الظن يفري ويدع.
لآخر: أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما.
وكتب آخر: أنا والله الولي المخلص، والواد المصحح، ومن إذا شد عقدة أوثقها، وإذا عقد مودة صدقها، والمماذق أخو المنافق، والشاهد هدف للغائب، والرجل يعرف موقع رأيه إذا مال ووالى، وإذا انحرف وعادى، وإذا اجتنب واجتبى، وحركات الإنسان ملحوظة، وأعماله محفوظة، وتصرفه بين ولي مشفق، وعدو مطرق، وكل يرصده وينقده، وللسانه فلتات، ولقلبه هفوات.
وقال بعض البلغاء: ليس تكمل محاسن الصفح إلا بالإضراب عن مذلة التوبيخ، فإن التأنيب أوجع وقعاً في وجه الكريم، من وقع الضرب في بدن اللئيم.
وقال أعرابي: الموبخ بعد العفو أولى بالتوبيخ، لأنه أفسد النعمة بالتذكير، وقبح الصفح بالتعبير.
وقال سهل بن هارون: العفو الذي يقوم مقام العتق ما سلم من تعداد السقطات، وخلص من تذكار الزلات.
وقال رجل للفضل بن سهل ذي الرئاستين: أنت أحق من تغمد هذه الفرطة، واغتفر هذه السقطة.
وقال أعربي: الودود من عذر أخاه، وآثره على هواه.
وكتب النصير إلى صديق له: سقياً لدهر لما خلي بنا، خلا منا، ولما تصدى لنا، تولى عنا، تلك أحق الأيام بالذكرى.
وقال الأحوص المدني: اجعل أنسك آخر ما تبذل من ودك ومن الاسترسال، حتى تجد له مستحقاً.
وقال أعرابي: إذا جاد لك أخوك بأكثره، فتجاف له عن أيسره.
وقال آخر: الحر يؤثر كرم الاستبقاء، على لؤم الاستقصاء.
وكتب الجراحي إلى صديق له: حرسني الله من الشك في إخلاصك، وأعاذني من سوء التوكل عليك، وأجارني مما يوحش منك، ويباعد عنك.
وقال النصير لصاحب له: أرجو أن يكون فيما لنا عندك، دليل على ما عندنا لك، وإن كنت بالفضل أولى، وبالمكرمة أحرى.
وأخبرنا علي بن عيسى قال: أنبأنا ابن دريد قال: أنشدنا عبد الرحمن عن عمه الأصمعي قال: وأظنها لابن قيس الرقيات:
لا يعجبنك صاحب ... حتى تبين ما طباعه
ماذا يضن به عليك ... وما يجود به اتساعه
أو ما الذي يقوى عليه ... وما يضيق به ذراعه
وإذا الزمان رمى صفات ... ك بالحوادث ما دفاعه
فهناك تعرف ما ارتفاع ه ... وى أخيك وما اتضاعه
آخر:
فمن يك لا يدوم له وصال ... وفيه حين يغترب انقلاب
فعهدي دائم لهم وودي ... على حال إذا شهدوا وغابوا
وأنشد الأصمعي ولم يسم قائله:
تبدي لك العين ما في نفس صاحبها ... من الشناءة أو ود إذا كانا
إن البغيض له عين يصد بها ... لا يستطيع لما في الصدر كتمانا
وعين ذي الود ما تنفك مقبلة ... ترى لها محجراً بشاً وإنسانا
والعين تنطق والأفواه صامتة ... حتى ترى من ضمير القلب تبيانا
قال أبو هاشم الحراني: ومن طباع الكريم وسجاياه رعاية اللقاءة الواحدة، وشكر الكلمة الحسنة الطيبة، والمكافأة بجزيل الفائدة، وأن لا يوجد عند عرض الحاجة مستعملاً سوم عالة.
وأنشدنا ابن كعب لعبد الله بن معاوية:
العهد عهدان فعهد امرىء ... يأنف أن يعذر أو ينقضا
وعهد ذي لونين ملالة ... يوشك إن ودك أن يبغضا
إن لم تزره قال قد ملني ... وبالحري إن زرت أن يعرضا
شيمته مثل الخضاب الذي ... بينا تراه قانياً إذا نضا
قال العباس بن الحسن العلوي لما مات الزبيري: رحم الله أبا بكر فقدته فما تمسكت بعده من أخ بعروة إلا تجذمت في يدي.
وعزى يزيد بن جرير آخر فقال: إني لم آتك شاكاً في عزمك، ولا زائداً في علمك، ولكنه حق الصديق على الصديق، فإن استطعت أن تسبق السلوة بالصبر فافعل.
وكتب عبد الله بن العباس بن الحسن العلوي إلى صديق له: أما بعد فمثل إعظامي إياك دعا إلى الانقباض عنك، ومثل ثقتي بك دعا إلى الانبساط إليك، فلما تكافأ هذان في نفسي كان أملكهما بي، وأولاهما بالأثرة عندي أقربهما إلى موافقتك، وأوقعهما بمحبتك. فعلمت أن أسر إخوانك لك أفزعهم عند الملمات إليك، وأوثقهم عند حوادث الأمور بك، ثم شفع ذلك عندي ما يدعو إليه المرء نفسه، وتنازعه نحوه من الطلب وتثقل عليه المؤونة فيدمن الإمساك.
وكتب غسان بن عبد الحميد المدني إلى جعفر بن سليمان الهاشمي يعاتبه: بلغني أن غاشاً ظالماً أتاك بأمر لم أكن له أهلاً، ولم تكن بقبوله خليقاً، لأنني لم أكن بأشباهه معروفاً، ولم تكن على استماع مثله مخوفاً، فوجد له فيك مساغاً، وعندك مستقراً، وكنت أحسب منازل إخوانك عندك، والثقة لهم منك في حصن حصين، ومحل مكين، لا تناله أكاذيب الكاذبين، ولا أقاويل المفترين، وذلك أن الكاذب كان بالتهمة علي في منزلي وحرمتي أحق مني بالتهمة على رأيي وخلقي، وأنا كنت عندك بالثقة في وفائي أحق منه بالتصديق في عضيهته إياي، فإن الأخ المخبور أولى بالثقة من الساعي بالكذب والزور، وإذا كان تحافظ الإخوان إنما هو معلق بأيدي السفهاء إذا شاؤوا سعوا، فقيل قولهم، فكيف تبقى على ذلك أخوة، أو ترعى معه حرمة، أو يصلح عليه قلب، أو يسلم معه صبر؟.
سهل بن هارون:
وما العيش إلا أن تجود بنائل ... وإلا لقاء الأخ بالخلق العالي
وكتب محمد بن عبد الملك الزيات إلى الحسن بن وهب:
لعمرك ما عيشة رغدة ... لدي إذا غبت بالراضيه
وإني إلى وجهك المستنير ... في ظلمة الليلة الداجيه
لأشوق، من مدنف خائف ... لقاء الحمام، إلى العافيه
قيل لأبي زياد الكلابي: إنك فيما نراك تداجي إخوانك كثيراً، وهذا خلق أنت عالق به قال: لأن أداجيهم مستديماً لما بيني وبينهم أحب إلي من أن أدع المداجاة التي أملكها ولا أملك المصافاة التي قد فقدتها.
وسمعت ابن كعب الأنصاري ينشد كثيراً:
يا أخاً كان يرهب الدهر من ذكري له عند نائبات الحقوق كنت تحتل حبة القلب من قلبي وتجري مجرى دمي في عروقي كنت مني مكان بعضي من بعضي فأصبحت في مدى العيوق ما قذى عينك التي كنت ترعاني بها مرة وأنت صديقي أم بدت حاجة إليك أحلتني محل البعيد منك السحيق صرت تشري إذا التحفت بثوبي وتوحي إذا سلكت طريقي سمعت علي بن القاسم الكاتب يقول: قلت لأبي الفضل، يعني ابن العميد: ما ينقضي عجبي من إقدامك على الحاجب النيسابوري بعد التصافي الذي كنتما عليه، والملح الذي تجتمعان له، والرضاع الذي تتراوحان فيه، ووالله ما يفصل الناظر بينكما الظالم من المظلوم منكما، وإن إشكال الحال فيكما يدعو إلى سوء الظن بكما، وتوجيه اللائمة الشنيعة إليكما. فقال: يا أبا الحسن والله لقد كدت أن أكونه لولا أن الله بسط يدي عليه، وأظفرني به، إنه لما استحال الحال بليني وبينه أظلم الجو في عيني، وعزب عني رأيي، ووجلت من صولته وجولته، وكان كما علمت خطيب اللسان، بعيد الغور، خفيف الفور، يمري من ثبج بحر، ويتلقى جميع أموره بصدر ونحر، فما هنأني عيش، ولا طاب لي شرب، ولا فارقني وسواس حتى كان منه ما كان، فقلت له: كيف استحالت الحال بعد توكدها وتعهدها؟ قال: طلب من الحظوة عند ركن الدولة ما كنت أنا قد أفنيت شبابي، وعمري، وذخري له، فلم تسمح نفسي أن أفرج له عنه، ومنازل الأولياء عند الملوك محوطة بالغيرة الشديدة، والحمية المشتعلة، وليست الغيرة عليها إلا فوق الغيرة على السراري الحظيات، وبنات العم الموافقات، وفوق غيرة الضرة من الضرة، وإن الذي يعتري الرجال في هذه الأحوال أزيد من الذي يعتري النساء، إلا أن الرجال لا يتواصون بترك هذا الخلق، ولا يغير بعضهم بعضاً باستعماله، فقلت له: أفكان يرتقي لو بقي إلى أكثر من الحجابة التي أنت مسلم لها إليه، وغير منازع له في شيء منها؟ فقال: ما أسلم صدرك، وأصدأ نصلك، الرجل كان يحدث نفسه بالوزارة، ويوسوس إلى صاحبه بإثارة المال من الوجوه المجهولة، أفكان يجوز لي أن أحلم بهذا في النوم، ثم أتمتع بالعيش باليقظة؟ لا والله! وبعد فأنا كما قال الشاعر:
ولست مكلفاً أبدا صديقاً ... معاشرتي على خلق ممض
ولا أن يستقيم على اعوجاجي ... ويغفر بعض أحوالي لبعض
ولكني له عبد مطيع ... على علاته أرضى واغضي
حرير حين يلمسني صديقي ... حديد تحت ضرس رام عضي
فإن باشرتني فإليك أمري ... وإن باغضتني فإليك بغضي
وكما قال الآخر:
ألم تعلمي يا عصم كيف حفيظتي ... إذا السر خاضت جانبيه المجارح
أفر حذار الشر والشر تاركي ... وأطعن في أنيابه وهو كالح
قلت لعلي بن القاسم: كيف كان يستجيز قتل النفوس وهو يتفلسف؟ قال: يا هذا الدين الذي نشره على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ينافق به، ويكذب فيه، والفلسفة التي وضعت على ألسنة قوم مجهولين لا يجوز أن ينافق بها، ويكذب فيها، إنما كان يتشيع بما يقوله ويدعيه، ويجب أن تكون مبايناً لهذا السواد الذي هو فيه، وحب الجاه، وحب الرئاسة، وحب المال مهالك الخلق أجمعين، نسأل الله تعالى أن يكره إلينا الدنيا، ويرغبنا في التقوى، ويختم لنا ولك بالحسنى بمنه وقدرته.
شاعر:
عدو صديقي داخل في عداوتي ... وإني لمن ود الصديق صديق
أخبرنا أبو السائب القاضي قال: حدثني أحمد بن أبي طاهر قال: سمعت علي بن عبيدة يقول لصديق له: قسم الله لنا من صفحك ما يتسع لتقصيرنا، ومن حلمك ما يردع سخطك عنا، ويعيد ما كان منك لنا، وزين ألفتنا بمعاودة وصلك، واجتماعنا بزيارتك، وأيامنا الموحشة لغيبتك برؤيتك، وسر بقربك القلوب، وبحديثك الأسماع.
شاعر:
فلا تله عن كسب ود الصديق ... ولا تجعلن صديقاً عدواً
ولا تغترر بهدو امرىء ... إذا هيج فارق ذاك الهدوا
آخر:
فبعدك يا شغب اجتويت صحابتي ... ولاحظني الأعداء بالنظر الشزر
وأبدى لي الشحناء من كان مخفياً ... عداوته لما تغيب في القبر
آخر:
ولئن كنت لا تصاحب إلا ... صاحباً لا يزل ما عاش نعله
لا تجده ولو جهدت وإني ... بالذي لا يكون يوجد مثله
إنما صاحبي الذي يغفر ال ... ذنب ويكفيه من أخيه أقله
وأخبرنا المرزباني، حدثنا الصولي، حدثنا أبو العيناء قال: رأيت علي بن عبيدة يعاتب رجلاً ثم قال في كلامه: العجب أني أعاتبك وأنت من أهل القطيعة! وحدثنا أبو عبد الله النمري قال: لما وزر أبو محمد المهلبي سنة أربعين بعد وفاة أبي جعفر الصيمري كتب إلى أبي الفضل العباس بن الحسين وكان بينهما تواصل:
بسم الله الرحمن الرحيم
إني - حفظك الله - وحفظني لك، وأمتعك بي وأمتعني بك، قد بلوتك طول أيام أبي جعفر - قدس الله روحه - فوجدتك ذا شهامة فيما يناط بك، حسن الكفاية فيما يوكل إليك، كتوماً للسر إذا استحفظته، حسن المساعدة فيما يجمل بك الوفاق عليه، وقد حداني هذا كله على اجتبائك، وتقريبك، وإدنائك، وتقديمك، وغالب ظني أنك تعينني على ذلك بميمون نقيبتك، ومأمون ضريبتك، وجعلت دعامة هذا كله أني أجريك مجرى الصديق الذي يفاوض في الخير والشر، ويشارك في الغث والسمين، ويستنام إليه في الشهادة والغيب، ولي معك عينان، إحداهما مغضوضة عن كل ما ساءني منك، والأخرى مرفوعة إلى كل ما سرني فيك، فإن كنت تجد في نفسك على قولي هذا شاهداً صدوقاً، وإمارة نطوقاً، فعرفني لأعلم أن فراستي لم تفل، وحدسي عن طريق الصواب لم يمل، والحال التي قد جددها الله لي هي محروسة لك، ومفرغة عليك، ومستقلة بك، فأشركني فيها بخالصة الوفاء، أو تفرد بها إن شئت بحقيقة الصفاء، فلك الأمنة من حيلولة الاعتقاد، والسكون إلى عفو الاجتهاد، وثق بأن الذي خطبته منك إنما أريده لك، فلا تقعن في وساوس صدرك أن لكاشح لنا فيما نحن عليه طريقاً لنقص، أو لمحب لنا فيه باباً إلى الزيادة، واكتف بهذا القدر الذي دللتك عليه، واستقبل أمري وأمرك بالذي أرشدتك إليه، وإياك أن تستشير فيه غير نفسك فإنك بعرض حسد يكون عقالاً لحظك، والله يهديك للحسنى، ويقيني فيك غوائل العيون المرضى والسلام.
قلت للنمري: فبماذا أجابه؟ قال: من له بجواب في هذا السبك على هذه الحلاوة؟ إلا أنه استعان بأبي عبد الله فكتب له:
بسم الله الرحمن الرحيم
الوزير - أطال الله بقاءه - قد خاطبني بما إن لو غلطت في نفسي، وادعيت ما لا يليق بي، لكان في ذلك عذري، ولست من أصحاب البراعة، فأسهب خاطباً، أو أخطب مطنباً، وأنا - وإن فاتني هذا بفوت الصناعة - فلن يفوتني إن شاء الله ما يستحق علي من القيام بالخدمة وبذل الطاعة، حتى يكون جوابي صادراً على مذهب الخدم، كما كان ابتداؤه صادراً على مذهب أرباب النعم، وها أنا قد وكلت ناظري بلحظه، ووقفت سمعي على لفظه، انتظاراً لأمره ونهيه اللذين إذا امتثلت أحدهما وملت عن الآخر ملكت المنى، وأحرزت الغنى، وكانت شمسي به دائرة وسط السماء، وعيشي جارياً على النعماء والسراء، فلا يبقى لي غم إلا تفرى، ولا وغم إلا تسرى، ولا إرادة إلا مبلوغة، ولا بغية إلا مدركة، وقد رفلت. ومن نعمة الوزير - أدام الله أيامه - في عطاف من المسرة، الله أسأل إسباله علي مدى الدهر، بنفاذ أمره، وجواز خاتمه، وجريان قلمه، وشعاع شمسه، وسلامة نفسه، ودوام أنسه، وهو يجيب الداعي إذا أخلص في دعائه، ويعطي السائل سؤله إذا صفى ضميره في سؤاله، ولرأي الوزير العلو في قبول ما جاد به عنده من طاعته، وقابل به دعوته من إجابته، إن شاء الله.
وقال آخر:
أبا يعقوب صرت قذى لعيني ... وستراً بين طرفي والمنام
وكنت على الحوادث لي معيناً ... فصرت مع الحوادث في نظام
وكنت على المصائب لي سلواً ... فصرت من المصيبات العظام
وقال عبدة بن الطبيب:
إن الذين ترونهم خلانكم ... يشفي صداع رؤوسهم أن تصرعوا
فضلت عداوتهم على أحلامهم ... وأبت ضباب صدورهم لا تنزع
وقال أبو إسحاق السبيعي: ثلاث يصفين لك ود أخيك: السلام إذا لقيته، وأن تدعوه بأحب أسمائه، وأن لا تماريه.
سمعت العوامي يقول لعلي بن عيسى الوزير: إن الحال بينك وبين ابن مجاهد صفيقة فما الذي قربه منك، ونفقه عليك، وأولعك به؟ قال: وجدته متواضعاً في علمه، هشاً في نسكه، كتوماً لسره، حافظاً لمروءته، شفيقاً على خليطه، حسن الحديث في حينه، محمود الصمت في وقته، بعيد القرين في عصره، والله لو لم يكن فيه من هذه الأخلاق إلا واحدة لكان محبوباً ومقبولاً.
شاعر:
إذا أنا عاتبت الملول فإنما ... أخطط في جار من الماء أحرفا
فهبه ارعوى بعد العتاب ألم تكن ... مودته طبعاً فصارت تكلفا
آخر:
يعاتبكم يا أم عمرو بحبكم ... ألا إنما المقلي من لا يعاتب
آخر:
إذا ما تقضى الود إلا تكاشراً ... فهجر جميل للفريقين صالح
تلونت ألواناً علي كثيرة ... ومازج عذباً من إخائك مالح
ولي عنك مستغنى وفي الأرض مذهب ... فسيح، ورزق الله غاد ورائح
لتعلم أني إذ أردت قطيعتي ... وسامحت بالهجران إني مسامح
آخر:
إذا ما المرء لم يحببك إلا ... مغالب نفسه سئم الغلابا
ومن لا يعط إلا في عتاب ... يخاف، يدع به الناس العتابا
أخوك أخوك من تدنو وترجو ... مودته؛ وإن دعي استجابا
إذا حاربت حارب من تعادي ... وزاد سلاحه منك اقترابا
يواسي في الكريهة كل يوم ... إذا ما معضل الحدثان نابا
وقال رجل لصاحب له: إنما اشتد غضبي، لأن من كان علمه أكثر، كان ذنبه أكبر، قال: فهلاً جعلت سعة علمي سبيلاً إلى حسن الظن بنزوعي، أو إلى أني غالط في تفريطي، مخطىء بقصدي، غير معاند لك، ولا جريء عليك.
ورأيت الزهيري وقد كتب إلى ابن الأزرق كتاباً كتب في آخر هذه الأبيات:
اذهب فلا حاجة لي فيكا ... غطت على عيني مساويكا
وارغبتا فيك بدت سوءتي ... واسوءتا من رغبتي فيكا
قد كنت أرجوك أخاً لي فلا ... أفلح من أمسى يرجيكا
وقال بعضهم: تركتني معرفة الناس فرداً.
وأنشد آخر:
تركتني صحبة الناس ومالي من رفيق ... لم أجد إشفاق ندماني كإشفاق الصديق
قد أتت هذه الرسالة على حديث الصداقة والصديق، وما يتصل بالوفاق، والخلاف، والهجر، والصلة، والعتب، والرضا، والمذق، والرياء، والتحقق، والنفاق، والحيلة، والخداع، والاستقامة، والالتواء، والاستمانة، والاحتجاج، والاعتذار، ولو أمكن لكان تأليف ذلك كلؤه أتم مما هو عليه، وأجرى إلى الغاية في ضم الشيء إلى شكله، وصبه على قالبه، فكان رونقه أبين، ورفيقه أحسن، ولكن العذر قد تقدم، ولو أردنا أيضاً أن نجمع ما قاله كل ناظم في شعره، وكل ناثر من لفظه لكان ذلك عسيراً، بل متعذراً، فإن أنفاس الناس في هذا الباب طويلة، وما من أحد إلا وله في هذا الفن حصة، لأنه لا يخلو أحد من جار، أو معامل، أو حميم، أو صاحب، أو رفيق، أو سكن، أو حبيب، أو صديق، أو أليف، أو قريب، أو بعيد، أو ولي، أو خليط، كما لا يخلو أيضاً من عدو، أو كاشح، أو مداج، أو مكاشف، أو حاسد، أو شامت، أو منافق، أو مؤذ، أو منابذ، أو معاند، أو مزل، أو مضل، أو مغل، وقد قال الأوائل: الإنسان مدني بالطبع، وبيان هذا أنه لا بد له من الإعانة، والاستعانة، لأنه لا يكمل وحده لجميع مصالحه، ولا يستقل بجميع حوائجه، وهذا ظاهر، وإذا كان مديناً بالطبع كما قيل فبالواجب ما يعرض في أضعاف ذلك من الأخذ، والعطاء، والمجاورة والمحاورة، والمخالطة والمعاشرة، ما يكون سبباً لانتشار الأمر، ولا محالة أن هذه وأشباهها مفضية إلى جملة ما نعته هؤلاء الذين روينا نظمهم ونثرهم، وكتبنا جورهم وإنصافهم، وذلك أعلى فنون ما قالوه ونظروه، وعيون ما ذكروه ونشروه، ونروي في هذا الموضع بقية أبيات وإن عن شيء حكيناه، ونغلق الرسالة فإنها إذا طال بغضت، وإذا بغضت هجرت، وربما نيل من عرض صاحبها، وأنحي باللائمة عليه من أجلها، وهو لم يقصد إلا الخير، ولا أراد إلا الرشاد، وقد يؤتى الإنسان من حيث لا يعلم، ويرمي من حيث لا يتقي، كما يأتي من حيث لا يحتسب، وينجو وقد أشفى، ويدرك وقد غلب اليأس. قال العطوي:
لا تبك إثر مول عنك منحرف ... تحت السماء وفوق الأرض أبدال
الناس أكثر من أن لا ترى خلقاً ... ممن زوى وجهه عن وجهك المال
ما أقبح الوصل يدنيه ويبعده ... بين الصديقين إكثار وإقلال
الصنوبري:
يا ناصحاً ما زال يتبع نصحه ... غشاً إذا نصح الصديق صديقه
فله العزاء بروم لست أرومه ... قلت السلو يطاق لست أطيقه
آخر:
رميت هواي من مرمى قريب ... وكنت أخي فصرت أخا الخطوب
قدرت من الجسوم على تناء ... ولكن لا تنائي للقلوب
فمن تطلب الإنصاف يوماً ... إذا جار الأديب على الأديب
آخر:
كم من صديق صادق الظاهر ... متفق الأول والآخر
أطمعني في مثله مطمع ... من خاطري، لا كان من خاطر
حتى إذا ما قلت فازت يدي ... بمثله فوز يد القامر
وجدت في كفي منه كما ... قد ملئت منه يد الزامر
آخر:
أخو ثقة يسر بحسن حالي ... وإن لم يدنه مني قرابه
يسر بما أسر به ويشجى ... إذا ما أزمة نزلت رحابه
أحب إلي من ألفي قريب ... بنات صدورهم لي مسترابه
آخر:
ولا تصل حبل غادر ملق ... فالغدر من شر شيمة الرجل
لا خير في غادر مودته ... كالصاب، والقول عنه كالعسل
آخر:
ما لي جفيت وكنت لا أجفى ... ودلائل الهجران لا تخفى
ما لي أراك نسيتني بطراً ... ولقد عهدتك تذكر الإلفا
آخر:
أخلقت عنده الملالة وجهي ... كيف لي عنده بوجه جديد؟
آخر:
أتعجب إن جفاك أخ ... لغيرك عنك منتقل
فلا تعجب لجفوته ... ثقلت فملك الرجل
آخر:
عهدي بطرفك لا يزال ملاحظي ... يرنو إلي رنو طرف الحافظ
فاليوم تنبو عن جناني نبوة ... وأراك من بعد الإساغة لافظي
آخر:
توق من الإخوان كل ممازح ... يزول مع الأفناء حيث تزول
فلا تصحبن مستطرفاً ذا ملالة ... فليس على عهد يدوم ملول
آخر:
وحقك ما تركي عتابك من قلى ... ولكن لعلمي أنه غير نافع
وإني إذا لم أصبر اليوم طائعاً ... فلابد منه مكرهاً غير طائع
إذا أنت لم تعطفك إلا شفاعة ... فلا خير في ود يكون بشافع
إبراهيم بن العباس الكاتب:
أخ بيني وبين الدهر ص ... احب أينا غلبا
صديقي ما استقام فإن ... نبا دهر علي نبا
وثبت على الزمان به ... فعاد به وقد وثبا
ولو عاد الزمان لنا ... لعاد به أخاً حدبا
آخر:
كنت عبداً لك مأ ... موناً على دنيا ودين
بعتني سمحاً بقول ... جاء من غير يمين
ليت شعري عنك ل ... م حكمت ظناً بيقين
سترى ما تكشف الخ ... برة من غيب الظنون
آخر:
خليل نأى عني الزمان بوده ... فأعرض واستولى على أمره الغدر
فألبسته الثوب الذي اختار لبسه ... وأحسن من ود يضيق به الصدر
وأفضل من أمر يريبك تركه ... وأجمل من مال يرم به الفقر
فإن عاش فالأيام بيني وبينه ... وإن مات لم أجزع لمن ضمه قبر
إذا ما امرؤ جارت عليك ظنونه ... وسامك ما فيه المذلة والصغر
فكله إلى حكم الحوادث إنه ... كفى منصفاً ممن تظلمك الدهر
آخر:
عاشر أخاك على ما كان من خلق ... واحفظ مودته بالغيب ما وصلا
فأطول الناس غماً من يريد أخاً ... ذا خلة لا يرى في وده خللا
آخر:
أجفوتني في من جفاني ... وجعلت شانك غير شاني
ونسيت مني موضعاً ... لك لم يكن لك فيه ثاني
وسررت يوماً واحداً ... أن لا أراك ولا تراني
وهجرتني وقطعتني ... وقليتني في من قلاني
أفعلتها فالمستع ... ان الله أفضل مستعان
آخر:
تملقته جهدي فلما رأيته ... إذا لان مني جانب عز جانبه
جريت له في الصدر مني مودة ... وخليت عنه مهملاً لا أعاتبه
أطين عين الشمس كيلا يقال لي ... طبائعه مذمومة ومذاهبه
وأطريه بالقول الجميل وعنده ... من التيه مطريه سواء وعائبه
آخر:
غلط الفتى في قوله ... من لا يردك فلا ترده
من ناقش الإخوان لم ... يبد العتاب ولم يعده
عاتب أخاك إذا هفا ... واعطف بفضلك واستعده
وإذا أتاك بعيبه ... واش فقل لم يعتمده
فلقلما طلب الفتى ... عيباً لخل لم يجده
جرير:
وإني لمغرور أعلل بالمنى ... ليالي أرجو أن مالك ماليا
بأي سنان تطعن القوم بعدما ... نزعت سناناً من قناتك ماضيا
وقال آخر:
تبدلت بعدي والملول إذا نأت ... به الدار عن أحبابه يتبدل
فبان القلى لي منك واتضح الخفا ... ولاح لنا منه الذي كان يشكل
أحين أنارت للمودة بيننا ... رياض بدا نوارها يتهلل
ودامت سماء اللهو تنهل سحة ... علينا بأنواع الوفاء وتهطل
تنكبت قوس اللهو ثم رميتني ... وخليتني أبكي الوصال وأعول
سأحفظ ما ضيعته من إخائنا ... لتعلم أني عنه لا أتبدل
ابن أبي فنن:
إذا كنت تغضب من غير ذنب ... وتعتب من غير جرم عليا
طلبت رضاك فإن عزلي ... عددتك ميتاً وإن كنت حيا
قنعت وإن كنت ذا حاجة ... فأصبحت من أكثر الناس شيا
فلا تعجبن بما في يديك ... فأكثر منه الذي في يديا
وقال آخر:
وأخ كان لي ودوداً محباً ... ناصحاً ومقاً ورفيقاً وشفيقا
كان أحلى من الجنى بصيب ... المزن يرضيك صامتاً ونطوقا
لم لما أصابني الدهر بالجفوة ... منه صار البعيد السحيقا
يا صديقي ما كنت لي بصديق ... إنما كنت للزمان صديقا
صرت تشرى إذا التحفت بثوبي ... وتشكي إذا سلكنا طريقا
آخر:
وأخ كان لي فأصبحت منه ... كأشل اليدين أو كالأجب
ضاق ذرعاً بزلة لي كانت ... فانتحى لانتهاك سري وثلبي
أفما كان في المودة والحر ... مة حق يريه غفران ذنبي؟
وقال آخر:
وكل ملمات الزمان وجدتها ... سوى فرقة الأحباب هينة الخطب
لئن كنت أمسيت العشية سيداً ... شديد شحوب اللون مختلف العضب
فما لك من مولاك إلا حفاظه ... وما المرء إلا باللسان وبالقلب
هما الأصغران الذائدان عن الفتى ... مكارهه والصاحبان على الخطب
فإلا أكن كل الكريم فإنني ... أكف عن الجاني وأصبر في الجدب
ماني الموسوس:
رأيتك لا تختار إلا تباعدي ... فباعدت نفسي لاتباع هواكا
فبعدك يؤذيني وقربي لكم أذى ... فكيف احتيالي يا جعلت فداكا؟
آخر:
رأيتك تجفوني فأحدثت عزلة ... لتخفي الذي يأتي إلي فتعذرا
آخر:
أطل حبل الشناءة لي وبغضي ... وعش ما شئت فانظر من تضير
فما بيديك خيراً أرتجيه ... وغير صدودك الخطب الكبير
إذا أبصرتني أعرضت عني ... كأن الشمس من قلي تدور
آخر:
ومولى كأن الشمس بيني وبينه ... إذا ما التقينا ليس ممن أعاتبه
قال ابن المرزبان الكاتب: سمعت الخليفة المطيع يقول: صديقك صديقك، وصديق صديقك صديقك، وعدوك عدوك، وصديق عدوك عدوك، وعدو صديقك عدوك، وعدو عدوك صديقك.
وقال آخر:
وذوي ضباب مظهرين عداوة ... قرحى القلوب معاودي الأكباد
ناسيتهم بغضاءهم وتركتهم ... وهم إذا ذكر الصديق أعادي
وسمعت ابن بابويه القمي العالم يقول: قال جعفر بن محمد: مناغاة الصديق أعبث بالروح، وأندى على الفؤاد من مغازلة المعشوق، لأنك تفزع بحديث المعشوق إلى الصديق، ولا تفزع بحديث الصديق إلى المعشوق.
وحدثني ابن السراج قال: كتبت إلى ابن الحارث الرازي: كتبت إليك عن محل قد ابتهج بودك، وانزعج لصدك، يناديك، ألا إن القلب قد تألم بمفارقتك، فمتى يلم شعث الأنس بمشاهدتك، فأجبته: كلا وإن امتزج فرح الاتصال، بترح الانفصال، فما ضر مباعدة الأشباح مع مساعدة الأرواح، قال: فأجابني: أما صدر كتابك فغني عن دلالتك عليه، لإحساسي بشاهده عندي، وكيف أعدم الشاهد عليه وأنا الأول فيه، والجالب له، وأما عجزه فشديد الأخذ بطرف من القسوة، لسلوك بأحد الأمرين عن الآخر، ولو علمت أن تمام الأفراح، بمساعدة الأرواح، ومشاهدة الأشباح، لم تقل ما قلت، ولم يبلغ - أكرمك الله - في اللطافة أن يكون من غير هذا النوع الذي نحن منهن لكني أقول: كتبت إليك من محل موحش لبعدك، بلفظ مضطرب أنس بذكرك مستوحشاً، واستوحش إلى رؤيتك مستأنساً، ولو كنت قريباً مني لكان هذا كله مطرحاً، والأمل مدركاً مقترحاً، والعائق مرفوعاً، والطرف متنزهاً، والزمان نضراً، والدهر محموداً، والسلام.
شاعر:
وحسبك حسرة لك من صديق ... يكون زمامه بيدي عدو
أخبرنا ابن مقسم قال: سمعت أحمد بن يحيى يقول: كتب رجل إلى الزبير بن بكار يستجفيه فأجابه:
ما غير الدهر وداً كنت تعرفه ... ولا تبدلت بعد الذكر نسيانا
ولا حمدت وفاء من أخي ثقة ... إلا جعلتك فوق الحمد عنوانا
وكتب سعيد بن جبير إلى أخ له: أما بعد، يا أخي، فاحذر الناس، واكفهم نفسك، ويسعك بيتك.
قال رجل لمحمد بن واسع: إني لأحبك في الله، قال: فأطع من تحبني فيه.
قال أبو خازم المدني لسلمة بن دينار: لأن يبغضك عدوك المسلم خير من أن يحبك عدوك الفاجر.
سمعت ابن الجلاء يقول بمكة: يقال: من لا إخوان له فلا عيش له، ومن لا ولد له فلا ذكر له، ومن لا مال له فلا مروءة له، ومن لا عقل له فلا دنيا له ولا آخرة.
قال أبو عثمان النصيبي: من لا إخوان له فلا تعب له، ومن لا ولد له فلا حجاب عليه، ومن لا مال له فلا حساب عليه، ومن لا عقل له فهو في الجنة.
شاعر:
هبني أسأت كما زعمت فأين عاقبة الأخوه ... وإذا أسات كما أسأت فأين فضلك والمروه
وقال أعرابي: نصح الصديق تأديب، ونصح العدو تأنيب.
قال الفضل بن يحيى: الصبر على أخ يعتب عليه خير من أخ يستأنف مودته.
وسمعت ذا الكفايتين ابن العميد ببغداد يقول: إنشاء المعرفة صعب، فلما ندرنا من مجلسه قال أبو إسحاق الصابي: تربيتها أصعب من إنشائها. عرضت هذا الكلام على أبي سليمان فقال: أما الإنشاء فإنما صعب لأنه لا أوائل له يناط بها، ويؤسس عليها، وأما التربية فإنما صعبت أيضاً لأنها تستعير من الإنسان زماناً مديداً هو يشح به، وعناء متصلاً يشتد صبره عليه، ومالاً مبذولاً قلما تطيب النفس بإخراجه إلا إذا كان الكرم له طباعاً، ويجد من ضريبته إليه نزاعاً.
وقال ذو الشامة يرثي أخاه:
ذكرت أخي أخا الخي ... رضي الله عنه الذي لم يبق لي خلفا
ولا أرجوه إلا الله من ... ه الدهر مؤتنفا
أخاً ما كان لي كأخ ... وبي برأ وبي لطفا
كفى من كنت كافيه ... وسد مسد من سلفا
وحق لعين من أمسى ... بما أمسيت معترفا
من الإيحاش والإيجا ... س والإفراد أن يكفا
وقال أبو بكر: خير إخوانك من آساك، وخير منه من كفاك، وخير مالك ما أغناك، وخير منه ما وقاك.
قال المأمون الخليفة: من لم يؤاس الإخوان في دولته خذلوه في شدته.
وقال:
لا أعرفنك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي
وقال آخر:
ليس عندي وإن تغضبت إلا ... طاعة حرة وقلب سليم
وانتظار الرضا فإن رضا السادات عز وعتبهم تقويم
رجل من بلعنبر:
لقد ألبس المولى على غش صدره ... وأفقأ بيضات الضغائن بالهجر
يثير التداني بيننا كل دمنة ... ويشفي التنائي بيننا وخز الصدر
آخر:
ضعفت عن الإخوان حتى جفوتهم ... على غير زهد في الإخاء ولا الود
ولكن أيامي تحرمن منيتي ... فما أبلغ الحاجات إلا على جهد
آخر:
من عف خف على الصديق لقاؤه ... وأخو الحوائج وجهه مملول
وأخوك من وفرت ما في كيسه ... فإذا غدرت به فأنت ثقيل
آخر:
أيام أن قلت قال في سرع ... وإن كرهنا بدا تأبيه
مساعد، مونق، أخو كرم ... فليس شبه له يدانيه
آخر:
قل للذين صحبناهم فلم نرهم ... إلا لمن صحبوا يرضون بالدون
سلامة الدين والدنيا فراقكم ... وقربكم آفة الدنيا مع الدين
أنا النذير لمغبون بصحبتكم ... محارف، جاهل، بالأمر مفتون
خاب الغبين الذي يبغي مودتكم ... وليس هاجركم عندي بمغبون
وأخبرنا ابن مقسم قال: أنشدنا أحمد بن يحيى الشاعر:
وإني لتصفو للخليل مودتي ... وقد جعلت أشياء منه تريب
أخاف لجاجات العتاب بصاحبي ... وللجهل من قلب الحليم نصيب
فإن فاء لم أعدد عليه ذنوبه ... وهل بعد فيئات الرجال ذنوب
ابن عروس:
يا فتى كانت به دنياي تصفو وتطيب
وله كانت تضيق الأرض بي حين يغيب
ما الذي رابك والأيام ما زالت تريب
فيم إعراضك عني ... أيها الحر اللبيب
أملالاً فهو ما ليس يداويه طبيب
أم لظن فامتحن فالظن يخطي ويصيب
أم لعتب فعتاب الحر يجدي ويثيب
أم لذنب فلك الله بأني سأتوب
شاعر: كيف صبري عن بعض نفسي وهل يصبر عن بعض نفسه الإنسان آخر:
وإذا أرادك صاحب بجناية ... جعل التجني للجفاء سبيلا
فترى دواعي الهجر في حركاته ... وكفى بذلك شاهداً ودليلا
وأخبرنا المزباني قال: حدثنا ابن أبي الأزهر قال: أنبأنا بندار قال: أنشدني ابن السكيت:
إني لأصبر من عود به جلب ... عند الملمات إلا عند هجران
إذا رأيت ازوراراً من أخي ثقة ... ضاقت علي برحب الأرض أوطاني
وما صدود ذوات الدل أرمضني ... لكنما الهجر عندي هجر إخواني
فإنت صدفت بوجهي كي أجازيه ... فالعين غضبي، وقلبي غير غضبان
أخبرنا المرزباني أبو عبد الله، حدثنا الصولي، حدثنا أبو العيناء قال: كان ابن أبي داود يقول: لو أراد العباس بن الأحنف بقوله:
المرء قد يرزق أعداؤه ... منه ويشقى بالصديق الصديق
إصلاحاً بين قبيلتين من العرب، أو إقامة لخطبة، أو إرسالاً لمثل وحكمة لكان أبلغ وأحسن.
وله أيضاً:
إذا امتنع القريب فلم تنله ... على قرب فذاك هو البعيد
أخبرنا القاضي أبو السائب، حدثنا ابن أبي طاهر، قال الكندي: العباس - والله - ظريف، مليح، حكيم، وشعره جزل، وكان قليلاً ما يرضى الشعر فكان ينشد هذا كثيراً له:
ألا تعجبون كما أعجب ... صديق يسيء ولا يعتب
وأبغي رضاه على سخطه ... فيأبى علي ويستصعب
فياليت حظي إذا ما أس ... ات أنك ترضى ولا تغضب
وقال لنا الناقط: كتب أبو الحوراء إلى صديق له: الله يعلم أنك ما خطرت ببالي في وقت من الأوقات إلا مثل الذكر منك لي محاسن تزيدني صبابة إليك، وضناً بك، واغتباطاً بإخائك.
أخبرنا ابن سحرة، حدثنا أبو إسماعيل الحريمي قال: دخلت على عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وكنت قد تأخرت عنه فقال:
رأيت جفاء الدهر بي فجفوتني ... كأنك غضبان علي مع الدهر
فقلت: أيها الأمير لو علمت أني أسمع هذا لأعددت له جواباً يناضل عني في الاعتذار، ويتقدمني بطلائع الشوق إليك، ويقوم لي مقام العذر قبلك، ولقد بدهتني بمفحمة، وتركبتني بمظلمة، وبالله الذي أسأله الزلفة عندك إني ما تأخرت إلا لعذر خافيه كالشمس وضوحاً، وغائبه كالحاضر عياناً، ومظنونه كالمشاهد يقيناً، ومع ذلك فلم أخل من خاطر شوق كالسنان، ونزاع نفس كالجمة، وتبرم بالعيش كالحمام، أفأنا أجفوك مع الدهر، وأكون ألباً له عليك، وأنا ألحاه على جفائه لك، إنحائه على إرادتك بما خالف هواك، كلا، والذي شق البصر، وجعلك الوزر والعصر. فقال لي هذا جوابك عما لم تعد له، فكيف بنا لو غمرتنا منك سحابتك الغداقة: ومزنتك الدفاقة، لله درك بادهاً ومروياً، وسابقاً، ومصلياً.
آخر:
غير ما طالبين ذحلاً ولكن ... مال دهر على أناس فمالوا
الخليع:
لا تعجبن لملة صرفت ... وجه الأمير فإنه بشر
وإذا نبا بك في سريرته ... عقد الضمير نبا بك النظر
أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن علي الهجيمي قال: حدثنا أبو داود الطائي قال: جاء رجل إلى حماد بن زيد فقال له: يا أبا سعيد اطلب لي رفيقاً إلى مكة، ما بينك وبين سنة، فلما جاء الحول جاء رجل إلى حماد فقال: أنا أطلب رفيقاً إلى مكة مذ سنة فجمع بينهما فمضيا إلى ابن عون فودعاه وقالا له: أوصنا، قال: أوصيكما بخصلتين، قالا: وما هما، قال: كظم الغيظ، وبذل المال، قال: فأتى أحدهما في منامه أن ابن عون أهدى لهما حلتين.
وقال الزبرقان:
ومن الموالي موليان فمنهما ... معطي الجزيل وباذل النضر
ومن الموالي ضب جندلة ... لحز المروءة ظاهر الغمر
يجني عليك إذا استطاع ولا ... يعيطك عند غنى ولا فقر
وإذا حباك الله أرغمه ... ودعا لتصبح غير ذي وفر
آخر:
ومولى كداء البطن لو كان قادراً ... على الدهر أفنى الدهر أهلي وماليا
آخر:
ومولى قد رعيت الغيب فيه ... ولو كنت المغيب ما رعاني
آخر:
فما حياة امرىء أضحت مدامعه ... مقسومة بين أحياء وأموات؟
قيل لابن المقفع: بأي شيء يعرف الأخ؟ قال: أن ترى وجهه منبسطاً، ولسانه بمودته ناطقاً، وقلبه ببشره ضاحكاً، ولقربه في المجلس معجباً، وعلى مجاورته في الدار حريصاً، وله فيما بين ذلك مكرماً.
شاعر:
لهفي لأيام مضت ... مشغولة بك فرغا
آخر:
وبي برح شوق لو فرشتك كنهه ... لأيقنت أني في ودادك مخلص
ولا تأس من روح اجتماع يضمنا ... إلى برد أيام بقربك يخلص
آخر:
أتاني عنك ما ليس ... على مكروهه صبر
فأغضيت على عمد ... وقد يغضي الفتى الحر
وأدبتك بالهجر ... ولما ينفع الهجر
فلما زادني المك ... روه واشتد بي الأمر
تناولتك من شري ... بما ليس له قدر
فحركت جناح ال ... ذل لما مسك الضر
إذا لم يصلح الخير ... امرءاً أصلحه الشر
آخر:
ولما رأيتك لا فاسقاً ... تهاب ولا أنت بالزاهد
وليس عدوك بالمتقى ... وليس صديقك بالحامد
أتيت بك السوق سوق الرقيق ... فناديت هل فيك من زائد؟
على رجل غادر بالصديق ... كفور لنعمائه جاحد
فما جاءني رجل واحد ... يزيد على درهم واحد
سوى رجل حان منه الشقاء ... وحلت به الدعوة الوالد
فبعتك منه بلا شاهد ... مخافة ردك بالشاهد
وأبت إلى منزلي سالماً ... وحل البلاء على الناقد
آخر:
أخ لي كأيام الحياة إخاؤه ... يلون ألواناً علي خطوبها
إذا عبت منه خلة فهجرته ... دعتني إليه خلة لا أعيبها
وكان المهلبي يعجب من أبيات المثقب العبدي على ما حدثني به ابن البقال الشاعر:
فأما أن تكون أخي بحق ... فأعرف منك غثي من سميني
وإلا فاطرحني واتخذني ... عدواً أتقيك وتتقيني
فإني لو تخالفني شمالي ... خلافك ما وصلت بها يميني
إذا لقطعتها ولقلت بيني ... كذلك أجتوي من يجتويني
وقال آخر:
بلوتهم واحداً واحداً ... فكلهم ذلك الواحد
وكلهم خيره ناقص ... وكلهم شره زائد
قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه لنا ابن شاهين: تصافحوا فإن التصافح يذهب غل الصدور، وتهادوا فإن الهدية تذهب السخيمة.
قال أعرابي: البشر سحر، والهدية سحر، والمساعدة سحر.
وقال الأحوص:
فإن تشبعي مني وتروي ملالةفإنيوربي منك أروى وأشبع
شاعر:
إذا كتب الصديق إلى صديق ... فقد وجب الجواب عليه فرضا
آخر:
وصاحب سلفت منه إلي يد ... أبطت عليه مكافاتي فعاداني
لما تيقن أن الدهر حاربني ... أبدي التندم في ما كان أولاني
أفسدت بالمن ما أوليت من حسن ... ليس الكريم إذا أولى بمنان
أبو السائل مولى بني كهلان:
أرى فيك أخلاقاً حساناً قبيحة ... وأنت صديق كالذي أنا واصف
قريب، بعيد، أبله، ذو فطانة ... سخي، بخيل، مستقيم، مخالف
كذاك لساني شاتم لك مادح ... كما أن قلبي جاهل بك عارف
تلونت حتى لست أدري من العمى ... أريح جنوب أنت أم أنت عاصف
ولست بذي غش ولست بناصح ... وإني لمن جهل بشانك واقف
أظنك كالستوق ما فيك فضة ... فإن كنت مغشوشاً فإنك زائف
آخر:
أأمنحه ودي ويمنحني الأذى ... لحى الله من ترضى بهذا خلائقه
آخر:
بنفسي من إن قال خيراً وفى به ... وإن قال شراً قاله وهو مازح
آخر:
يرانا سواء فيعطي السواء ... على كل حال وإن زدت زادا
آخر:
وقد تتعايش الأقوام حيناً ... بتلفيق التصنع والنفاق
آخر:
أراني إذا عاديت قوماً وددتهم ... وأنأى بود القلب عمن أقاربه
ويأتيك ودي وهو سهب وقد أبى ... فؤادك إلا النأي ما لم يغالبه
فصلني فإني من جناحك منكب ... وما خير رشد بان منه مناكبه
وقال فيلسوف: خير الأصحاب من ستر ذنبك فلم يقرعك ومعروفه عندك فلم يمنن عليك.
وقال فيلسوف: اجتنب مصاحبة الكذاب، فإن اضطررت إليها فلا تصدقه، ولا تعلمه أنك تكذبه فينتقل عن ودك ولا ينتقل عن طبعه.
وقال فيلسوف: حسبك من عدوك كونه في قدرتك.
وقال فيلسوف: لا تقطع أحداً إلا بعد عجز الحيلة عن استصلاحه، ولا تتبعه بعد القطيعة وقيعة فينسد طريقه عن الرجوع إليك، فلعل التجارب ترده إليك، وتصلحه لك.
وقال فيلسوف: لا يزال الإخوان مسافرين في المودة حتى يبلغوا الثقة، فتطمئن الدار، ويقبل وفود التناصح، وتؤمن خبايا الضمائر، وتلقى ملابس التخلق، وتحل عقد التحفظ.
وقال فيلسوف: إخوان السوء ينصرفون عند النكبة، ويقبلون مع النعمة، ومن شأنهم التوسل بالإخلاص والمحبة إلى أن يظفروا بالأنس والأمن والثقة؛ ثم يوكلون الأعين بالأفعال، والأسماع بالأقوال، فإن رأوا خيراً ونالوه لم يذكروه ولم يشكروه، وإن رأوا شراً أ ظنوه أذاعوه ونشروه، فإن أدمت مواصلتهم فهو الداء المعضل المخوف على المقاتل، وإن استرحت إلى مصارمتهم ادعوا الخبرة بك لطول العشرة لك، فكان كذب حديثهم مصدقاً، وباطلهم محققاً.
شاعر:
إني لآمل أن ترتد ألفتنا ... بعد النذائر والبغضاء والإحن
قال أفلاطون: صديق كل امرىء عقله، وعدوه جهله.
قال سقراط: لا تكون كاملاً حتى يأمنك عدوك، فكيف بك إذا كنت لا يأمنك صديقك.
وقال أفلاطون: عمر الدنيا أقصر من أن تطاع فيها الأحقاد.
قال الشاعر:
والعمر أقصر مدة ... من أن يمحق بالعتاب
وقال أفلاطون: إذا صحبت حازماً فأرضه في إسخاط حاشيته، وإذا صحبت أحمق فأسخطه في رضتء حاشيته.
قيل لديوجانس: ما الذي ينبغي للمرء أن يتحفظ منه؟ قال: من حسد إخوانه، ومكر أعوانه.
وقال أفلاطون: الأشرار يتتبعون مساوىء الناس، ويتركون محاسنهم كما يتتبع الذباب المواضع الفاسدة من الجسد ويترك الصحيح.
وقيل لأبارينوس: ما لفلان أعرض عنك؟ فقال: ما أشبه إقباله بإدباره، ومن زعم أنه يضرني فلينفع نفسه.
وقيل لثيفانون: من صديقك؟ قال: الذي إذا صرت إليه في حاجة وجدته أشد مسارعة إلى قضائها مني إلى طلبها.
وقال انكساغورس: إن الشدائد التي تنزل بالمرء محنة إخوانه.
وقال أفلاطون: لا ينبغي للعاقل أن يتمنى لصديقه الغنى فيزهى عليه، ولكن يتمنى له أن يساويه في الحال.

ضفحة رقم [ 4 ] من كتاب الصداقة والصديق Fasel10

كتاب : الصداقة والصديق
المؤلف : أبو حيان التوحيدي
منتدى الرسالة الخاتمة - البوابة
ضفحة رقم [ 4 ] من كتاب الصداقة والصديق E110


    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 23 يوليو - 16:52