بداية أحداث سنة اربع وعشرين ومائتين والف

شاطر

توتة
Admin

عدد المساهمات : 1005
تاريخ التسجيل : 13/02/2014

بداية أحداث سنة اربع وعشرين ومائتين والف

مُساهمة من طرف توتة في الخميس 3 مايو - 17:21


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة التاريخ
عجائب الآثار
الجزء الأول

{ الفصل الثاني }
في ذكر حوادث مصر وولاتها واعيانها ووفيات
فى سني الملاحم العظيمة والحوادث الجسيمة
{ أحداث شهر المحرم سنة 1224 }

سنة اربع وعشرين ومائتين والف
استهل شهر المحرم بيوم الخميس وفي تلك الليلة اعني ليلة الجمعة ثانيه مرت سحابة سوداء مظلمة في وقت العشاء وحصل فيها رعد مزعج وبرق مستنير شديد اللمعان وامطرت في محلات قليلا وفي اخرى كثيرا ثم انجلت السماء سريعا فظهرت النجوم وبعد ايام اخبر الواردون من ناحية بلاد السماحات بالغربية انها امطرت بتلك الناحية في تلك الليلة بردا كبيرا وصغيرا والكبير في مقدار حجر الطاحون والصغير في مقدار بيض الدجاج وتهدمت منها دور وقتلت مواشي وآدمية واهلكت زروعا كثيرة
وفي يوم الاحد رابعه قتل الباشا حسين بن الخبيري وهو بترعه الفرعونية وارسل راسه الى مصر فعلقت بباب زويله
وفي اواخره حضر الباشا من ترعة الفرعونية وقد عجز عن سدها بعد أن بذل جهده وفرض الفرض العظيمة على البلاد واشغلوا المراكب في نقل الاحجار ليلا ونهارا والسيد محمد المحروقي متقيد لذلك ومقيم بمسجد الآثار لتشهيل الحجارين ووسقها بالمراكب وقطعها من الجبل قطعا وصخورا فكانوا يشقون الجبل بالغام البارود مثل عمل الافرنج وظهر في قطعهم كهوف ومغارات وتجاويف وتحدث الناس بذلك بانواع الاكاذيب والخرافات كقولهم ظهر في الجبل باب من حديد وعليه اقفال ففتحوه ونظروا من داخله اشخاصا على خيول الى غير ذلك
وفيه حضر قاصد من قبودان باشا بطلب عوائده بالاسكندرية فقال له حاكم الاسكندرية ينبغي أن تذهب الى الباشا بالترعة وتقابله فذهب اليه وقابله عند السد فبات تلك الليلة واصبح ميتا فاخرجوه الى المقبرة ثم حضر قاصد آخر يخبر بوصول قابجي وعلى يده مرسومان احدهما الاخبار عن صلح الدولة مع الانكليز والموسكوب وانفتاح البحر وامن المسافرين والثاني الامر بالسفر والخروج الى فتح الحرمين وطرد الوهابية عنهما وان يوسف باشا الصدر السابق المعروف بالمعدن تعين بالسفر للحرمين على طريق الشام وكذلك سليمان باشا والي بغداد متعين أيضا بالسفر من ناحيته على الدرعية واحضر للباشا تقريرا بالولاية مجددا وخلعه وسيفا

{ أحداث شهر صفر سنة 1224 }

واستهل شهر صفر بيوم السبت
فيه حضر الآغا الواصل الى بولاق فركب لملاقاته آغات الينكجرية والوالي وارباب العكاكيز فأربكوه في موكب ودخلوا به من باب النصر وطلع الى القلعة وقرؤا المراسيم بحضرة الجمع وبعد الفراغ من قراءتها ضربوا مدافع وشنكا
وفي ذلك اليوم غيمت السماء بالسحاب وامطرت كثيرا ونزل مطر ببركة الحاج وجدوا فيه سمكا صغيرا من جنس السمك الذي يعرف بالقاروص وصار يتنطط على الارض واحضروا منه الى مصر وشاهدناه وهو في غاية البرودة
وفيه اهتم الباشا باخراج تجريدة الى الامراء القبليين وذلك انه تقدم بالارسال اليهم يطالبهم بالغلال والاموال الميرية المرار العديدة ويعدون ولا يوفون ووصل اليه من عندهم رضوان كتخدا البرديسي وهو بالترعة ومعه اجوبة وهدية وفيها خيول وجوار وعبيد وسنكر وخصيان فاغتاظ الباشا من قال انا لست اطلب احسانهم وصدقاتهم حتى انهم يضحكون على ذقني بهذه الامور وحيث انهم لايرجعون عن الكامن في رؤوسهم فلا بد من خروجي اليهم ومحاربتهم وارسل الى من بمصر من الاكابر يأمرهم بالبراز والخروج فخرج حسن باشا وصالح أغا قوج وطاهر باشا واحمد بك والكثير من اعيانهم بعساكرهم وعدوا الى بر الجيزة ونصبوا وطاقهم وخيامهم ثم أن رضوان كتخدا لم يزل يلاطفه حتى توافق معه على وعد مقدار مسافة ذهاب الجواب ورجوعه اياما معدودة فلما حضر من الترعة اخذ في التشهيل والخروج فانتقلت العساكر الى البر الغربي واخذ يستحث في المطلوبات وخروج الخيام وجمع المراكب وسافر قبودان بولاق الى جهة بحرى لجمع المراكب وفرضوا على القرى غلالا وجمالا وذلك في عقب ما فرضه عليهم في مهمات الترعة المتقدمة وخلافها من بشارة القبطان والتقرير وما في ضمن ذلك من حق طرق المباشرين والمعينين مع ما الناس فيه من القحط والغلاء في الغلال وغيرها وعدم وجود الغلة والذين لايقدورن على تحصيل الغلة يلزمونهم بدفع ثمنها بأقصى القيمة بعد مصانعة المباشرين لذلك واعطائهم الرشوات وحضر أيضا نعمان سراج باشا من عند ابراهيم بك وقابل الباشا على الترعة فلم ينفع حضوره أيضا ولم يسمع له قول ورجع مزيفا
وفي خامسه حضر علي بك ايوب وصحبته اخر يقال له رضوان بك البرديسي فطلعا الى القلعة وتقابلا مع الباشا وانخضع له علي بك ايوب وقبل رجله وترجى عنده في عدم خروج التجريدة وكلمه في امر الغلال المنكسرة والجديدة وعلى انهم يقومون بدفع الغلال القديمة بالثمن والجديدة بالكيل وليس عندهم مخالفة والقصد الامهال الى حصاد الغلال فقال انهم اذا حصدوا الغلال اخذوها وفروا الى الجبال واستمر هذا القيل والقال نحو اربعة ايام ثم اشيع في ثامنه الصلح وفرح الناس واستبشروا بذلك لما يترتب وما يحصل من الفساد واكل الزروعات وخراب البلدان فانهم اكلوا في الاربعة ايام التي ترددوا فيها بالجيزة نيفا وخمسمائة فدان ولما اشيع بالجهة القبلية خروج العساكر للتجريدة انزعجوا وايسوا من زروعاتهم وخرجوا من اوطانهم على وجوههم لا يدرون اين يذهبون بأولادهم ونسائهم وقصاعهم وتفرقوا في مصر والبلاد البحرية
وفي صبحها اعيد امر التجريدة واشيع خروج العساكر ثانيا فانقبضت النفوس ثانيا وباتوا في نكد وطلبت السلف من المساتير والملتزمين وكتبت الدفاتر وحولت الاكياس وانبثت المعينون للطلب
وفي عاشره بطل صبحها اعيد امر التجريدة وانقضى امر الصلح على شروط وهي انهم التزموا بثلث ما عليهم من غلال الميري وقدره مائة ألف اردب وسبعة آلاف اردب بعد مناقشات ومحققات والذي تولى المناقشات معهم مساعدا للباشا شاهين بك الألفي والموعد احد وثلاثون يوما وسافر علي بك ايوب ورضوان بك البزديسي واكرمهما الباشا وخلع عليهما
وفي حادي عشره قتل الباشا مصطفى آغا تابع حسن بك في قصبة رضوان ظلما وسبب ذلك انه لما نزل قبودان بولاق لجمع المراكب المطلوبه لسفر التجريدة فصادف شخصا من الارنؤد الذين يتسببون في بيع الغلال في مركب ومعه غلة وذلك عند قرية تسمى سهرجت فحجزه لياخذ منه السفينة فقال كيف تأخذها وفيها غلتي قال اخرج غلتك منها على البر واتركها فانها مطلوبه لمهمات الباشا فلم يرض وخاف على تبددها ولم يجد سفينة اخرى لأن جميع السفن مطلوبه مثلها وقال له عندما اصل بها الى مصر وانقل منها الغلة ارسل معي من ياخذها فقال القبودان لاسبيل الى ذلك وتشاجرا فحنق القبودان على الارنؤدي وسل عليه سيفه ليضربه فعاجله الارنؤدي وضربه بالطبنجة فقتله فاراد اتباع القبودان القبض عليه ففر منهم الى البلدة وبها جماعة من الدلاة معينون لقبض الفرضة فلجأ اليهم فمانعوا عنه وتنازع الفريقان وكان مصطفى أغا المذكور ملتزم البلدة هناك وغائبا في بعض شؤونه فبلغه الخبر فحضر اليهم وخاف من وقوع قتل او شر يقع بالبلدة فيكون سببا لخراب الناحية فقال يا جماعة اذهبوا بنا الى الباشا ليرى رأيه فرضوا بذلك وحضر بصحبتهم والقاتل معهم وطلعوا الى ساحل بولاق فعندما وصلوا الى البر هرب القاتل وذهب عند عمر بك الارنؤدي الساكن ببولاق فتبعه الامير مصطفى المذكور فقال له عمر بك اذهب الى الباشا واخبره انه عندي وانت لا باس عليك ففعل فقال له الباشا ولأي شيء لم تحتفظ عليه وتتركه حتى يهرب فاعتذر بعدم قدرته على ذلك من الدلاتية الملتجيء اليهم وكأنهم هم الذين افلتوه فأمر بحبسه فأرسل الى عمر بك فحضر الى الباشا وترجى في اطلاقه فوعده انه في غد يطلقه اذا حضر القاتل فقال انه عند ازمير أغا وهو لايسلم فيه وركب الى داره فلما كان في الصباح امر بقتل الامير مصطفى المذكور فانزلوه الى الرميلة ورموا رقبته عند باب القلعة ظلما
وفي صبحها أيضا قتلوا شخصا من الدلاة بسبب هذه الحادثة
وفي ثاني يوم قتل الارنؤد شخصين من الدلاة أيضا
وفي يوم الخميس ثالث عشره ارسل الباشا وطلب الارنؤدي القاتل للقبودان من عمر بك وشدد في طلبه وقال ان لم يرسله وإلا احرقت عليه داره فامتنع من ارساله وجمع اليه طائفة الارنؤد وصالح أغا قوج جاره وركب الباشا وذهب الى ناحية الشيخ فرج وحصل ببولاق قلقة وانزعاج ثم ركب الباشا راجعا الى داره بالازبكية وقت الغروب كثرت الارجاف والقلقة بين الارنؤد والدلاتيه
وفي خامس عشره قتل الارنؤد شخصين من الدلاتيه أيضا جهة قناطر السباع ثم أن القاتل الذي قتل القبودان إلتجأ الى كبير من كبار الارنؤد فأرسل الباشا الى حسن باشا يطلب منه ذلك الكبير واكد في طلبه او انه يقطع رأس القاتل ويرسلها فكأنه فعل وارسل اليه براس ملفوفة في ملاية تسكينا لحدته وبردت القضية وسكنت الحدة وراحت على من راحت عليه
وفي اواخره امر الباشا بتحرير دفاتر فرضه الاطيان وزادوا فيها عن عام الشرقي الماضي الثلث وربطوها ورتبوها اربع مراتب تزيد كل ضريبة عن الاخرى مائة نصف فضة اعلاها يبلغ ثمانمائة نصف فضة على أن الفرضة الماضية بقي الكثير منها بالذمم لخراب القرى وعجزهم واختلى لتنظيم ذلك من الافندية والاقباط بجهات متباعدة الافندية بربع ايوب ببولاق والاقباط بدير مصر العتيقة حتى حرروا ذلك وتمموه ورتبوه في عدة ايام ووقع الطلب في جانب معجلا سموه الترويجة
وفيه امر الباشا عمر بك الارنؤدي بالسفر من مصر وقطع خرجه ورواتبه هو وعسكره فلم تسعه المخالفة وحاسب على المنكسر له ولعسكره من العلائف وكذلك حلوان البلاد التي في تصرفه فبلغ نحو ستمائة كيس وزعت على دائرة الباشا وخلافهم وكان الباشا ضبط جملة من حصص الناس واستولى عليها من بلاد القليوبية بحرى شبرا واختصها لنفسه فلما استولى على حصص غمر بك ودفع حلوانها وهي بالمنوفية والغربية والبحرية عوض بعض من يراعي جانبه من ذلك واخذ عمر بك ومن يلوذ به في تشهيل انفسهم وقضاء حوائجهم

{ أحداث شهر ربيع الاول سنة 1224 }

واستهل شهر ربيع الاول
فيه شرع السيد عمر مكرم نقيب الاشراف في عمل مهم لختان ابن ابنته ودعا الباشا والاعيان وارسلوا اليه الهدايا والتعابي وعمل له زفة يوم الاثنين سادس عشره مشى فيها ارباب الحرف والعربات والملاعيب وجمعيات وعصب صعايدة وخلافهم من اهالي بولاق والكفور والحسينية وغيرها من جميع الاصناف وطبول وزمور وجموع كثيرة فكان يوم مشهودا اكتريت فيه الاماكن للفرجة وكان هذا الفرح هو اخر طنطنة السيد عمر بمصر فانه حصل له عقيب ذلك ما سيتلى عليك قريبا من النفي والخروج من مصر
وفيه كمل سد ترعة الفرعونية واستمر العمل فيها وفي تأبيد السد بالاحجار والمشمعات والاتربة نحو ستة اشهر وصرف عليها من الاموال مالا يحصى وجرى مجرى البحر الشرقي وغزر ماؤه وجرت فيه السفن من دمياط بعد أن كان مخاضه وملحت عذوبة النيل بما انعكس فيه وخالطه من ماء البحر الملح الى قبلي فارس كور واقام بالسد عمر بك تابع الاشقر لخفارته وتعهد الخلل وكتم الجسر من النشع والتنفيس وسكن هناك ولم يفارقه واستمر في هذه الوظيفة والخدمة ولم يقم بمصر
وفي هذا الشهر وما قبله تشحطت الغلال وغلا سعرها حتى بلغ الاردب القمح الفا وستمائة نصف فرضة وعز وجوده بالرقع والعرصات واما السواحل فلا يكاد يوجد بها شيء من الغلة بطول السنة ولولا لطف الله بوجود الذرة لهلكت الخلائق ومع ذلك استمرار المغارم والفرض حتى فرض الغلة عين وكذلك تبن وجمال وما ينضاف الى ذلك مما سمعته غير مرة مما يطول شرحه
وفيه نودي على صرف الفرانسة والمحبوب والمجر كما نودي في العام الماضي لأنه لما نودي بنقص صرفها ومضى نحو الشهر او الشهرين رجع الصرف الى ماكان عليه وزيادة فأعيد النداء كذلك وسيعود الخلاف ما دام الكرب والضيق بالناس على أن هذه المناداة والاوامر بالنقص والزيادة ليست من باب الشفقة على الناس ولا الرحمة وانما هي بحسب اغراضهم وزيادة طمعهم فإنه اذا توجهت المطالبات بالفرض والمغارم نودي بالنقص ليزيد الفرط وتتوفر لهم الزيادة ويحصل التشديد والمعاقبة على من يقبض بالزيادة من اهل الاسواق واذا كان الدفع من خزانتهم في علائف العسكر او لوازمهم الكبيرة قبضوها بأزيد من الزيادة التي نادوا عليها من غير مبالاة ولا احتشام تناقض مالنا الا السكوت عنه
وفي اواخره تواجدت الغلال وانحل سعرها وحضر الفلاحون ببدارى الغلة وانحط السعر والحمد لله

{ أحداث شهر ربيع الثاني سنة 1224 }

واستهل شهر ربيع الثاني
في سادسه وردت مراسيم من الروم وبشارة بمولودة ولدت للسلطان وسموها فاطمة وفي المراسيم الامر بالزينة فاقتضى الرأي أن يعملوا شنكا ومدافع من القلعة تضرب في الاوقات الخمسة سبعة ايام وهذا شئ لم يسمع بمثله فيما سبق أن يعملوا للانثى شنكا او زينة او يذكر ذلك مطلقا وانما يعمل ذلك للمولود الذكر من بدع الاعاجم
وفي يوم الثلاثاء ثامنه حضر من الامراء المصريين القبالي مرزوق بك ابن ابراهيم بك وسليم أغا مستحفظان وقاسم بك سلحدار مراد بك وعلي بك ايوب حسب الاتفاق المتقدم في تقرير الصلح ولكن لم يكن سليم أغا مذكورا في الحضور بل كان منجمعا وممتنعا عن التداخل في هذه الاحوال والسبب في حضوره أن زوجته توفيت من نحو نصف شهر فحضر لأجل تركتها ومتاعها ومتاعه الذي عندها وحصصها ولما حضر وجد الباشا استولى على ذلك واخذ المتاع والمصاغ والجواهر والعقار واخذ الحصص واخذ حلوانها وذلك بيد محمود بك الدويدار فلما حضر سليم اغا لم يجد شيئا لا دار ولا عقار ولا نافخ نار فنزل عند علي بك ايوب بمنزله بشمس الدولة فحضر اليه محمود بك الدويدار والترجمان واخذ بخاطره وطمناه واخبراه أن الباشا سيعوض عليه ماذهب منه وزيادة وزرعا له فوق السطوح فلم يسعه الى التسليم
وفيه سقط سقف القصر الذي انشأه الباشا بشبرا وشرعوا في تعمير ثانيا
وفيه وصل الخبر بحضور زوجة الباشا ام اولاده وابنه الصغير واسمه اسمعيل وابن بونابارته الخازندار وكثير من اقاربهم واهاليهم حضر الجميع من بلدهم قوله الى اسكندرية فانهم لما طابت لهم مصر واستوطنوها وسكنوها وتنعموا فيها ارسلوا الى اهاليهم واولادهم واقاربهم بالحضور فكانوا في كل وقت يأتون افواجا افواجا نساء ورجالا واطفالا فلما وصل خبر وصولهم الى اسكندرية سافر لملاقاتها ابنها ابراهيم بك الدفتردار وذلك حادي عشره
وفي ثالث عشره حضر المذكور قبل حضور الواصلين ولما وصلوا نزل الباشا لملاقاتهم الى بولاق
وفي يوم الاثنين رابع عشره نبهوا على جميع النساء والخوندات وكل من كانت لها اسم في الالتزام أن يركبن بأسرهن ويذهبن الى ملاقاة امراة الباشا ببولاق وذلك صبح يوم الاربعاء واعتذرت الست نفيسة المرادية بانها مريضة ولا تقدر على الحركة والخروج فلم يقبلوا لها عذرا فلما كان صبح يوم الاربعاء اجتمع السواد الاعظم من النساء بساحل بولاق على الحمارة المكارية وهم ازيد من خمسمائة مكاري حتى ركبت زوجة الباشا وساروا معها الى الازبكية وضربوا لوصولها وحلولها بمصر عدة مدافع كثيرة من القلعة والازبكية ثم وصلت الهدايا والتقادم واقبلت من كل ناحية الهدايا المختصة بالاولاد والمختصة بالنساء

{ أحداث شهر جمادي الاولى سنة 1224 }

واستهل شهر جمادي الاولى
في ثالثه يوم السبت نزل عمر بك الارنؤد الى المراكب من بيته من بولاق وسافر على طريق دمياط ليذهب الى بلاده وسافر معه نحو المائة وهم الذين جمعوا الاموال واجتمع لعمر بك المذكور من المال والنوال اشياء كثيرة عباها في صناديق كثيرة واخذها معه وذلك خلاف ما ارسله الى بلاده في دفعات قبل تاريخه
وفي يوم الخميس خامس عشره سافر علي بك ايوب وسليم أغا مستحفظان الى ناحية قبلي واستمر بمصر مرزوق بك وقاسم بك المرادي
وفيه طلب الباشا ألف كيس من المعلم غالي والزمه بها فوزعها على المباشرين والكتبه وجمعها في اقرب زمن
وفيه حضر سلحدار الوزير يوسف باشا وعلى يده مرسوم مضمونه طلب ما كان احدثه حين كان بمصر على اوراق الاقطاعات والفراغات وتقاسيط الالتزام الذي سموه قصر اليد وخرج القلم وجعل ايراد ذلك لنفسه فأرسل يطلب ذلك من تاريخ سنة 1217 سبعة عشر ومائتين والف الى وقت تاريخه حسب قدر ذلك فبلغ نيفا واربعة آلاف كيس
وفيه شرعوا في تحرير دفتر بنصف فائظ الملتزمين ودفتر آخر بفرض مال على الرزق الاحباسية المرصدة على المساجد والاسبلة والخيرات وجهات البر والصدقات وكذلك اطيان الاوسية المختصة أيضا بالملتزمين وكتبو ا بذلك مراسيم الى القرى والبلاد وعينوا بها معينين وحق طرق من طرف كشاف الاقاليم بالكشف على الرزق المرصدة على المساجد والخيرات وتقدموا الى كل متصرف في شيء من هذه الاطيان وواضع عليها يده بأن يأتي بسنده الى الديوان ويجدد سنده ويقوي بمرسوم جديد وان تأخر عن الحضور في ظرف اربعين يوما يرفع عنه ذلك ويمكن منه غيره وذكروا في مرسوم الامر عله وحجه لم يطرق الاسماع نظيرها بانه اذا مات السلطان او عزل بطلت تواقيعه ومراسيمه وكذلك نوابه ويحتاج الى تجديد تواقيع من نواب المتولي الجديد ونحو ذلك ثم ليعلم أن هذه الارصادات والاطيان موضوعة من ايام الملك الناصر يوسف صلاح الدين الايوبي في القرن الخامس من مصاريف بيت المال ليصل الى المستحقين بعض استحقاقهم من بيت المال بسهولة ثم اقتدى به في ذلك الملوك والسلاطين والامراء الى وقتنا هذا فيبنون المساجد والتكايا والربط والخوانق والاسبله ويرصدون عليها اطيانا يخرجونها من زمام اوسيتهم فيستغل اخراجها او غلالها لتلك الجهة وكذلك يربطون على بعض الاشخاص من طلبة العلم والفقراء على وجه البر والصدقة ليتعيشوا بذلك ويستعينوا به على طلب العلم واذا مات المرصد عليه ذلك قرر القاضي او الناظر خلافه ممن يسحق ذلك وقيد اسمه في سجل القاضي ودفتر الديوان السلطاني عند الافندي المقيد بذلك الذي عرف بكاتب الرزق فيكتب له ذلك الافندي سندا بموجب التقرير يقال له الافراج ثم يضع عليه علامته ثم علامة الباشا والدفتردار ولكل اقليم من الاقاليم القبلية والبحرية دفتر مخصوص عليه طرة من خارج مكتوب فيها اسم ذلك الاقليم ليسهل الكشف والتحرير والمراجعة عند الاشتباه وتحرير مقادير حصص ارباب الاستحقاقات ولم يزل ديوان الرزق الاحباسية محفوظا مضبوطا في جميع الدول المصرية جيلا بعد جيل لايتطرفه خلل الا ما ينزل عنه ارباب لشدة احتياجهم بالفراغ لبعض الملتزمين بقدر من الدراهم معجل ويقرر للمفرغ على نفسه قدرا مؤجلا دون القيمة الاصلية في نظير المعجل الذي دفعه للمفرغ ويسمونها حينئذ داخل الزمام لم تزل على ذلك بطول القرون الماضية وتملك الفرنساوية الديار المصرية فلم يتعرضوا الشيء من ذلك ولما حضر شريف افندي الدفتردار بعد دخول يوسف باشا الوزير ووجه الطلب على الملتزمين بأن يدفعوا للدولة حلوانا جديدا على النظام والنسق الذي ابتدعوه للتحيل على تحصيل المال بأي وجه زاعمين أن ارض مصر صارت دار حرب بتملك الفرنساوية وانهم استنقذوها منهم واستولوا عليها بإستيلاء جديد وصارت جميع اراضيها ملكا لهم فمن يريد الاستيلاء على شيء من ارض وغيرها فليشتره من نائب السلطان بمبلغ الحلوان الذي قدروه واطلعو على التقاسيط وفي بعضها ما رفع عنه الميري الذي يقبض للخزينة بأذن الولاة بعد المصالحات والتعويض من المصاريف والمصارف الميرية كالعلائف والغلال والبعض تمم ذلك بمراسيم سلطانية كما يقولون شريفة بحيث يصير الالتزام مثل الرزق الاحباسية ويسمونه خزينة بند ومنهم من ابقى على التزامه شيئا قليلا سموه مال الحماية فلم يسهل بهم ابطال ذلك بل جعل عليها الدفتردار الميري الذي كان مقيدا عليها او اقل او زيد بحسب واضع اليد واكرامه ان كان ممن يكرم وضمه الى مال الحماية الاصلي او المستجد فقط وضيع على الناس سعيهم وما بذلوه من مرتباتهم وعلائفهم التي وضعوها وقيدوها في نظير جعلها خزينة بند كما ذكر ثقتقيد لكتابة الاعلامات عبد الله افندي رامز القبودان وقاضي باشا وسمي في ذلك الوقت بكاتب الميري وتوجه نحوه الناس لأجل كتابة الاعلامات لثبوت رزقهم الاحباسية وتجديد سنداتها فتعنت عليهم بضروب من التعنت كأن يطلب من صاحب العرضحال اثناب استحقاقه فاذا ثبت له لا يخلوا اما أن يكون ذلك بالفراغ او المحلول فيكلفه احضار السندات واوراق الفراغات القديمة فربما عدمت او بليت لتقادم السنين او تركها واضع اليد لاستغنائه عنها بالسند الجديد او كان القديم مشتملا على غير المفروغ عنه فيخصم بهامشه بالمنزول عنه ويبقى القديم عند صاحب الاصل فإن احضره اليه تعلل بشيء آخر واحتج بشبهة اخرى فاذا لم يبق له شبهة طالبه بحلوانها عن مقدار ايرادها ثلاث سنوات والا فخمس سنوات وذلك خلاف المصاريف فضج الناس واستغاثوا بشريف افندي الدفتردار فعزل عبد الله افندي رامز المذكور عن ذلك وقيد احد كتابه بكتابة الاعلامات وقرر على كل فدان عشرة انصاف فضة فما دونها يرسمها في السند الجديد وجعلها مال حماية وأوهم الناس أن مال الحماية يكون زيادة في تأكيد الاحباس وحماية له من تطرق الخلل فاستسهل الناس ذلك وشاع في الاقليم المصري فأقبل الناس من البلاد القبلية والبحرية لتجديد سنداتهم فطفقوا يكتبون السندات على نسق تقاسيط الالتزام لا على الوضع القديم ويعلم عليها الدفتردار فقط واما الصورة القديمة فكانت تكتب في كاغد كبير بخط غربي مجرد وعليها طرة بداخلها اسم والي مصر وممهورة بختمه الكبير وعليها علامة الدفتردار وبداخلها صورة اخرى تسمى التذكره مستطيلة على صورة التقسيط الفرمة ممهورة أيضا وعليها العلامة والختم وهي متضمنه ما في الكبيرة وعلى ذلك كان استمرار الحال الى هذا الاوان من قرون خلت ومدد مضت
وفيه أيضا حرروا دفتر الاقليم البحيرة بمساحة الطين الري والشراقي واضافوا اليه طين الاوسية والرزق وكتبوا بذلك مناشير واخرج المباشرون كشوفاتها بإسماء الملتزمين فضج الناس واجتمعوا الى مشايخ الازهر وتشكوا فوعدوهم بالتكلم في شأن ذلك بعد التثبت
وفيه قبض اغات التبديل على شخص من اهل العلم من اقارب السيد حسن البقلي وحبسه فأرسل المشايخ يترجون في اطلاقة فلم يفعل وارسله الى القلعة
وفيه سعى محمد افندي طبل ناظر المهمات لصديقه السيد سلامه النجاري عند الباشا في انعام ووظيفة وسبب ذلك أن المذكور ارسل جملة طاقات من الاقمشة الهندية الغريبة المقصبة وغيرها وحصانا من اعظم خيول المصريين كان اشتراه منهم هدية الى محمد افندي المذكور فاقتضت مروأته انه اخذها وقدمها للباشا وقال له أن السيد سلامة احضر هذه الهدية لافندينا شكرا لانعامه السابق عليه فقبلها الباشا وانعم عليه بعشرة اكياس وامر محمد افندي بأن يجعله في وظيفة معه
وفيه أيضا شرعوا في تحرير دفتر بنصف فائظ الملتزمين بأنواع الاقمشة وباعة النعالات التي هي الصرم والبلغ وجعلوا عليها ختمية فلا يباع منها شيء حتى يعلم بيد الملتزم ويختم وعلى وضع الختم والعلامة قدر مقدر بحسب تلك البضاعة وثمنها فزاد الضجيج واللغط في الناس
وفي يوم السبت سابع عشره حضر المشايخ بالازهر على عادتهم لقراءة الدروس فحضر الكثير من النساء والعامة واهل المسجون وهم يصرخون ويستغيثون وابطلوا الدروس واجتمع المشايخ بالقبلة وارسلوا الى السيد عمر النقيب فحضر اليهم وجلس معهم ثم قاموا وذهبوا الى بيوتهم ثم اجتمعوا في ثاني يوم وكتبوا عرضحال الى الباشا يذكرون فيه المحدثات من المظالم والبدع وختم الامتعة وطلب مال الاوسية والرزق والمقاسمة في الفائظ وكذلك اخذ قريب البقلي وحبسه بلا ذنب وذلك بعد أن جلسوا مجلسا خاصا وتعاهدوا وتعاقدوا على الاتحاد وترك المنافرة وعند ذلك حضر ديوان افندي وقال الباشا يسلم عليكم ويسأل عن مطلوباتكم فعرفوه بما سطروه اجمالا وبينوه له تفصيلا فقال ينبغي ذهابكم اليه وتخاطبونه مشافهة بما تريدون وهو لايخالف اوامركم ولا يرد شفاعتكم وانما القصد أن تلاطفوه في الخطاب لانه شاب مغرور جاهل وظالم غشوم ولا تقبل نفسه التحكم وربما حمله غروره على حصول ضرر بكم وعدم انفاذ الغرض فقالوا بلسان واحد لانذهب ابدا ما دام يفعل هذه الفعال فإن رجع عنها وامتنع عن احداث البدع والمظالم عن خلق الله رجعنا اليه وترددنا عليه كما كنا في السابق فاننا بايعناه على العدل لا على الظلم والجور فقال لهم ديوان افندي وانا قصدي أن تخاطبوه مشافهه ويحصل انفاذ الغرض فقالوا لانجتمع عليه ابدا ولا نثير فتنة بل نلزم بيوتنا ونقتصر على حالنا ونصبر على تقدير الله بنا وبغيرنا واخذ ديوان افندي العرضحال ووعدهم برد الجواب ثم بعد رجوعه اطلقوا قريب السيد حسن البقلي الذي كان محبوسا ولم يعلم ذلك ثم انتظروا عودة ديوان افندى فابطأ عليهم وتأخر عوده الى خامس يوم بعد الجمعية فاجتمع الشيخ المهدي والشيخ الدواخلي عند محمد افندي طبل ناظر المهمات وثلاثتهم في نفسهم للسيد عمر ما فيها وتناجوا مع بعضهم ثم انتقلوا في عصريتها وتفرقوا وحضر المهدي والدواخلي الى السيد عمر وأخبره ان محمد افندي ذكر لهم ان الباشا لم يطلب مال الاوسية ولا الرزق وقد كذب من نقل ذلك وقال انه يقول اني لااخالف اوامر المشايخ وعند اجتماعهم عليه ومواجهته يحصل كل المراد فقال السيد عمر اما انكاره طلب مال الرزق والاوسية فها هي اوراق من اوراق المباشرين عندي لبعض الملتزمين مشتمله على الفضة ونصف الفائظ ومال الاوسية والرزق واما الذهاب اليه فلا اذهب اليه ابدا وان كنتم تنقضون الايمان والعهد الذي وقع بيننا فالرأي لكم ثم انفض المجلس واخذ الباشا يدبر في تفريق جمعهم وخذلان السيد عمر لما في نفسه منه من عدم انفاد اغراضه ومعارضته له في غالب الامور ويخشى صولته ويعلم أن الرعية والعامة تحت امره ان شاء جمعهم وان شاء فرقهم وهو الذي قام بنصره وساعده واعانه وجمع الخاصة والعامة حتى ملكه الاقليم ويرى انه إن شاء فعل بنقيض ذلك فطفق يجمع اليه بعض افراد من اصحابه المظاهر ويختلي معه ويضحك اليه فيغتر بذلك ويرى انه صار من المقربين وسيكون له شأن ان وافق ونصح فيفرغ له جراب حقده ويرشده بقدر اجتهاده لما فيه من المعاونه ثم في ليلتها حضر ديوان افندي وعبد الله بكتاش الترجمان وحضر المهدي والدواخلي الجميع عند السيد عمر وطال بينهم الكلام والمعالجة في طلوعهم ومقابلتهم الباشا ورقرق لذلك كل من المهدي والدواخلي والسيد عمر مصمم على الامتناع ثم قالوا لابد من كون الشيخ الامير معنا ولانذهب بدونه فاعتذر الشيخ الامير بانه متوعك ثم قام المهدي والدواخلي وخرجا صحبة ديوان افندي والترجمان وطلعوا الى القلعة وتقابلوا مع الباشا ودار بينهم الكلام وقال في كلامه انا لا ارد شفاعتكم ولا اقطع رجاءكم والواجب عليكم اذا رأيتم مني انحرافا أن تنصحوني وترشدوني ثم اخذ يلوم على السيد عمر في تخلفه وتعنته ويثني على البواقي وفي كل وقت يعاندني ويبطل احكامي ويخوفني بقيام الجمهور فقال الشيخ المهدي هو ليس الا بنا واذا خلا عنا فلا يسوي بشيء ان هو الا صاحب حرفة او جابي وقف يجمع الايراد ويصرفه على المستحقين فعند ذلك تبين قصد الباشا لهم ووافق ذلك ما في نفوسهم من الحقد للسيد عمر والشيخ الدواخلي حضوره نيابة عن الشيخ الشرقاوي وعن نفسه ثم تناجوا معه حصة وقاموا منصرفين مذبذبين ومظهرين خلاف ما هو كامن في نفوسهم من الحقد وحظوظ النفس غير مفكرين في العواقب وحضروا عند السيد عمر وهو ممتليء بالغيظ مما حصل من الشذوذ ونقض العهد فأخبروه بأن الباشا لم يحصل منه خلاف وقال انا لا ارد شفاعتكم ولكن نفسي لاتقبل التحكم والواجب عليكم اذا رأيتموني فعلت شيئا مخالفا أن تنصحوني وتشفعوا فأنا لا اردكم ولا امتنع من قبول نصحكم واما ما تفعلونه من التشنيع والاجتماع بالازهر فهذا لايناسب منكم وكأنكم تخوفوني بهذا الاجتماع وتهيج الشرور وقيام الرعية كما كنتم تفعلون في زمان المماليك فأنا لاافزع من ذلك وان حصل من الرعية امر ما فليس لهم عندي الا السيف والانتقام فقلنا له هذا لايكون ونحن لانحب ثوران الفتن وانما اجتمعنا لاجل قراءة البخاري وندعو الله برفع الكرب ثم قال اريد أن تخبروني عمن انتبذ لهذا الامر ومن ابتدا بالخلف فغالطناه وانه وعدنا بابطال الدمغة وتضعيف الفائظ الى الربع بعد النصف وانكر الطلب بالاوسية والرزق من اقليم البحيرة ثم قاموا منصرفين وانفتح بينهم باب النفاق واستمر القال والقيل وكل حريص على حظ نفسه وزيادة شهرته وسمعته ومظهر خلاف ما في ضميره

{ أحداث شهر جمادي الثانية سنة 1224 }

واستهل شهر جمادي الثانية بيوم الجمعة
فيه حضر ديوان افندي وعبد الله بكتاش الترجمان واجتمع المشايخ ببيت السد عمر وتكلموا في شأن الطلوع الى الباشا ومقابلته فحلف السيد عمر انه لايطلع اليه ولايجتمع به ولايرى له وجها الا اذا ابطل هذه الاحدوثات وقال أن جميع الناس يتهموني معه ويزعمون انه لايتجارأ على شيء يفعله الا بإتفاقي معه ويكفي ما مضى ومهما تقادم يتزايد الظلم والجور وتكلم كلاما كثيرا فلما لم يجبهم الى الذهاب وقالوا اذا يطلع المشايخ وارسلوا الشيخ الامير فاعتذر بأنه متوعك الجسم ولايقدر على الحركة ولا الركوب ثم اتفقوا على طلوع الشيخ عبد الله الشرقاوي والمهدي والدواخلي والفيومي وذلك على خلاف غرض السيد عمر وقد ظن انهم يمتنعون لامتناعه للعهد السابق والايمان فلما طلعوا الى الباشا وتكلموا معه وقد فهم كل منهم لغة الآخر الباطنية ثم ذاكروه في امر المحدثات فأخبرهم انه يرفع بدعة الدمغة وكذلك يرفع الطلب عن الاطيان والاوسية وتقرير ربع الفائظ وقاموا على ذلك ونزلوا الى بيت السيد عمر واخبروه بما حصل فقال واعجبكم ذلك قالوا ثلاث قال انه ارسل يخبرني بتقرير ربع المال الفائظ فلم ارض وابيت الا رفع ذلك بالكلية فإنه في العام السابق لما طلب احداث الربع قلت له هذه تصير سنة متبعة فحلف انها اثنين قوله قالوا قال الخ هكذا في جميع النسخ التي معنا ولعله قالوا لا او نعم أو نحو ذلك كذا بهامش الاصل لاتكون بعد هذا العام ( ولعله قالوا او نعم او نحو ذلك كذا بهامش الاصل لاتكون بعد هذا العام ) وذلك لضرورة النفقة وان طلبها في المستقبل يكون ملعونا ومطرودا من رحمة الله وعاهدني على ذلك وهذا في علمكم كما لايخفاكم قالوا نعم واما قوله انه رفع الطلب عن الاوسية والرزق فلا اصل لذلك وهاهي اوراق البحيرة وجهوا بها الطلب فقالوا اننا ذكرنا له ذلك فأنكر وكابرناه بأوراق البحيرة الطلب فقال أن السبب في طلب ذلك من اقليم البحيرة خاصة وان الكشافين لما نزلوا للكشف على اراضي الري والشراقي ليقرروا عليها فرضة الاطيان حصل منهم الخيانة والتدليس فإذا كان في ارض البلدة خمسمائة فدان ري قالوا عليها مائة وسموا الباقي رزقا واوسية فقررت ذلك عقوبة لهم في نظيرته لبسهم وخيانتهم فقال السيد عمر وهل ذلك امر واجب فعله اليس هو مجرد جور وظلم احدثه في العام الماضي وهي فرضة الاطيان التي ادعى لزومها لاتمام العلوفة وحلف انه لايعود لمثلها فقد عاد وزاد وانتم توافقونه وتسايرونه ولا تصدونه ولاتصدعونه بكلمة وانا الذي صرت وحدي مخالف وشاذا ووجه عليهم اللوم في نقضهم العهد والايمان وانفض المجلس وتفرقت الاراء وراج سوق النفاق وتحركت حفائظ الحقد والحسد وكثر سعيهم وتناجيهم بالليل والنهار والباشا يراسل السيد عمر ويطلبه للحضور اليه والاجتماع به ويعده بانجاز ما يشر عليه به وارسل اليه كتخدا ليترفق به وذكر له أن الباشا يرتب له كيسا في كل يوم ويعطيه في هذا الحين ثلثمائة كيس خلاف ذلك فلم يقبل ولم يزل الباشا متعلق الخاطر بسببه ويتجسس ويتفحص عن احواله وعلى من يتردد عليه من كبار العسكر وربما اغرى به بعض الكبار فراسلوه سرا واظهروا له كراهتهم للباشا وانه ان انتبذ لمفاقمته ساعدوه وقاموا بنصرته عليه فلم يخف على السيد عمر مكرم ولم يزل مصمما وممتنعا عن الاجتماع به والامتثال اليه ويسخط عليه والمترددون أيضا ينقلون ويحرفون بحسب الاغراض والاهواء واتفق في اثناء ذلك أن الباشا امر بكتابة عرضحال بسبب المطلوب لوزير الدولة وهي الاربعة آلاف كيس ويذكر فيه انها صرفت في المهمات منها ما صرف في سد ترعة الفرعونية ومبلغه ثمانمائة كيس وعلى تجاريد العساكر لمحاربة الامراء المصرية حتى دخلوا في الطاعة كذلك مبلغا عظيما وما صرف في عمارة القلعة والمجراة التي تنقل المياه اليها مبلغا ايضا وكذلك في حفر الخلجان والترع ونقص المال الميري بسبب شراقي البلاد ونحو ذلك وارسله الى السيد عمر ليضع خطه وختمه عليه فامتنع وقال اما ما صرفه على سد الترعة فان الذي جمعه وجباه من البلاد يزيد على ما صرفه اضعافا كثيرة واما غير ذلك فكله كذب لا اصل له وان وجد من يحاسبه على ما اخذ من القطر المصري من الفرض والمظالم لما وسعته الدفاتر فلما ردوا عليه واخبروه بذلك الكلام حنق واغتاظ في نفسه وطلبه للاجتماع به فامتنع فلما اكثر من التراسل قال ان كان ولا بد فاجتمع معه في بيت السادات واما طلوعي اليه فلا يكون فلما قيل له في ذلك ازداد حنقه وقال انه بلغ به أن يزدريني ويرذلني ويأمرني بالنزول من محل حكمي الى بيوت الناس
ولما اصبح يوم الاربعاء سابع عشرينه ركب الباشا وحضر الى بيت ولده ابراهيم بك الدفتردار وطلب القاضي والمشايخ المذكورين وارسل السيد عمر رسولا من طرفه ورسولا من طرف القاضي يطلبه للحضور ليتحاقق ويتشارع معه فرجعا واخبرا بأنه شرب دواء ولا يمكنه الحضور في هذا اليوم وكان قد احضر شيخ السادات الوفائية والشيخ الشرقاوي فعند ذلك احضر الباشا خلعة والبسها لشيخ السادات على نقابة الاشراف وامر بكتابة فرمان بخروج السيد عمر ونفيه من مصر يوم تاريخه فتشفع المشايخ في امهاله ثلاثة ايام حتى يقضي اشغاله فاجاب الى ذلك ثم سأله في أن يذهب الى بلده اسيوط فقال لايذهب الى اسيوط ويذهب اما الى سكندرية او دمياط فلما ورد الخبر على السيد عمر بذلك قال اما منصب النقابة فإني راغب عنه وزاهد فيه وليس فيه الا التعب واما النفي فهو غاية مطلوبي وارتاح من هذه الورطة ولكن اريد أن يكون في بلدة لم تكن تحت حكمه اذا لم ياذن لي في الذهاب الى اسيوط فلياذن لي في الذهاب الطور او الى ورثه فعرفوا الباشا فلم يرض الا بذهابه الى دمياط ثم أن السيد عمر امر بأشجاويش أن يأخذه الجاويشية ويذهب بهم الى بيت السادات واخذ في اسباب السفر
وفي يوم الخميس ثامن عشرينه الموافق لخامس مسري القبطي اوفي النيل المبارك ونودي بالوفاء تلك الليلة وخرج الناس لاجل الفرجة والضيافات في الدور والمطلة على الخليج فلما كان آخر النهار برزت الاوامر بتأخير الموسم لليلة السبت بالروضة فبرد طعام اهل الولائم والضيافات وتضاعفت كلفهم ومصاريفهم وحصلت الجمعية ليلة السبت بالروضة وعند قنطرة السد وعملوا الحراقات والشنك وحضر الباشا واكابر دولته والقاضي وكسر السد بحضرتهم وجرى الماء في الخليج وانفض الجمع
وفي ذلك اليوم اعتنى السيد محمد المحروقي بأمر السيد عمر وذهب الى الباشا وكلمه واخبره بأنه اقامه وكيلا على اولاده وبتيه وتعلقاته فأجازه بذلك وقال هو آمن من كل شيء وانا لم ازل اراعي خاطره ولا افوته ثم ارسل السيد المحروقي فأحضر بن ابنه السيد عمر فقابل به الباشا وطمن خاطره ولكن قال لابد من سفره الى دمياط وعندما طلب السيد المحروقي الغلام الى الباشا اشيع في الناس وقوع الرضا وتناقل الناس ذلك وفرح اهل منزله وزغرطوا وسروا واستمروا على ذلك حتى رجع الغلام وتبين انه لاشيء فانقلب الفرح بالترح وتعين بالسفر صحبة السيد عمر كتخدا الألفي الى دمياط


عجائب الآثار في التراجم والأخبار
المؤلف : عبد الرحمن بن حسن الجبرتي
مجلة نافذة ثقافية ـ البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 15 أكتوبر - 17:32