ختام احداث سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف

شاطر

الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 1002
تاريخ التسجيل : 13/02/2014

ختام احداث سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف

مُساهمة من طرف الإدارة في السبت 31 مارس - 12:51


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة التاريخ
عجائب الآثار
الجزء الأول

{ الفصل الثاني }
في ذكر حوادث مصر وولاتها واعيانها ووفيات
فى سني الملاحم العظيمة والحوادث الجسيمة
{ من مات سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف }
من الاعيان ومن له ذِكر في الناس

مات الامام العمدة الفقيه العلامة المحقق الفهامة المتقن المتفنن المتجر عين أعيان الفضلاء الازهرية الشيخ احمد بن موسى بن احمد بن محمد البيلي العدوي المالكي ولد ببني عدي سنة احدى وأربعين ومائة والف وبها نشأ فقرأ القرآن وقدم الجامع الازهر ولازم الشيخ علي الصعيدي ملازمة كلية حتى تمهر في العلوم وبهر فضله في الخصوص والعموم وكان له قريحة جيدة وحافظة غريبة يملي في تقريره خلاصة ما ذكره أرباب الحواشي مع حسن سبك والطلبة يكتبون ذلك بين يديه وقد جمع من تقاريره
على عدة كتب كان يقرأها حتى صارت مجلدات وانتفع بها الطلبة انتفاعا عاما ودرس في حياة شيخه سنينا عديدة واشتهر بالفتوح وكان الشيخ الصعيدي يأمر الطلبة بحضوره وملازمته وكان فيه اتصاف زائد وتؤدة ومروءة وتوجه الى الحق ولديه اسرار ومعارف وفوائد وتمائم وعلم بتنزيل الاوفاق والوفق المئيني العددي والحرفي وطرائق تنزيله بالتطويق والمربعات وغير ذلك ولما توفي الشيخ محمد حسن جلس موضعه للتدريس باشارة من أهل الباطن ولما توفي الشيخ احمد الدردير ولي مشيخة رواق الصعايدة وله مؤلفات منها مسائل كل صلاة بطلت على الامام وغير ذلك ولم يزل على حالته وافادته وملازمه ودروسه والجماعة حتى توفي في هذه السنة ودفن في تربة المجاورين رحمه الله تعالى عليه
ومات العلامة الفاضل الفقيه الشيخ احمد بن ابراهيم الشرقاوي الشافعي الازهري قرأ على والده وتفقه وانجب ولم يزل ملازما لدروسه حتى توفي والده فتصدر للتدريس في محله واجتمعت عليه طلبة ابيه وغيرهم ولازم مكانه بالازهر طول النهار يملي ويفيد ويفتي على مذهبه ويأتي اليه الفلاحون من جيزة بلادهم بقضاياهم وخصوماتهم وانكحتهم فيقضي بنيهم ويكتب لهم الفتاوي في الدعاوي التي يحتاجون فيها الى المرافعة عند القاضي وربما زجر المعاند منهم وضربه وشتمه ويستمعون لقوله ويمتثلون لاحكامه وربما اتوه بهدايا ودراهم واشتهر ذكره وكان جسيما عظيم اللحية فصيح اللسان ولم يزل على حالته حتى اتهم في فتنة الفرنسيس المتقدمة ومات مع من قتل بيد الفرنساوية بالقلعة ولم يعلم له قبر
ومات الشيخ الامام العمدة الفقيه الصالح القانع الشيخ عبد الوهاب الشبراوي الشافعي الازهري تفقه على أشياخ العصر وحضر دروس الشيخ عبد الله الشبراوي والحفني والبراوي وعطية الاجهوري وغيرهم وتصدر للاقراء والتدريس والافادة بالجوهرية وبالمشهد الحسيني ويحضر درسه فيه الجم الغفير من العامة ويستفيدون منه ويقرأ به كتب الحديث كالبخارى ومسلم وكان حسن الالقاء سلس التقرير جيد الحافظة جميل السيرة مقبلا على شأنه ولم يزل ملازما على حالته حتى اتهم في اثارة الفتنة وقتل بالقلعة شهيدا بيد الفرنسيس في اواخر جمادى الاولى من السنة ولم يعلم له قبر
ومات الشاب الصالح والنبيه الفالح الفاضل الفقيه الشيخ يوسف المصيلحي الشافعي الازهري حفظ القرآن والمتون وحضر دروس اشياخ العصر كالشيخ الصعيدي والبراوي والشيخ عطية الاجوري والشيخ احمد العروسي وحضر الكثير على الشيخ محمد المصيلحي وأنجب وأملى دروسا بجامع الكردي بسويقة اللالا وكان مهذب النفس لطيف الذات حلو الناطقة مقبول الطلعة خفيف الروح ولم يزل ملازما على حاله حتى اتهم ايضا في حادثة الفرنسيس وقتل مع من قتل شهيدا بالقلعة
ومات العمدة الشهير الشيخ سليمان الجوسقي شيخ طائفة العميان بزاويتهم المعروفة الان بالشنواني تولى شيخا على العميان المذكورين بعد وفاة الشيخ الشبراوي وسار فيهم بشهامة وصرامة وجبروت وجمع بجاههم اموالا عظيمة وعقارات فكان يشتري غلال المستحقين المعطلة بالابعاد بدون الطفيف ويخرج كشوفاتها وتحاويلها على الملتزمين ويطالبهم بها كيلا وعينا ومن عصى عليه ارسل اليه الجيوش الكثيرة من العميان فلا يجد بدا من الدفع وان كانت غلاله معطلة صالحة بما أحب من الثمن وله أعوان يرسلهم الى الملتزمين بالجهة القبلية يأتون اليه بالسفن المشحونة بالغلال والمعاوضات من السمن والعسل والسكر والزيت وغير ذلك ويبيعها في سني الغلوات بالسواحل والرقع بأقصى القيمة ويطحن منها على طواحينه دقيقا ويبيع خلاصته في البطط بحارة اليهود ويعجن نخالته خبزا لفقراء العميان يتقوتون به مع ما يجمعونه من الشحاذة في طوافهم آناء الليل وأطراف النهار بالاسواق والازقة وتغنيهم بالمدائح الخرافات وقراءة القرآن في البيوت ومساطب الشوارع وغير ذلك ومن مات منهم ورثة الشيخ المترجم المذكور وأحرز لنفسه ما جمعه ذلك الميت وفيهم من وجد له الموجود العظيم ولا يجد له معارضا في ذلك واتفق ان الشيخ الحفني نقم عليه في شيء فأرسل اليه من أحضره موثوقا مكشوف الرأس مضروبا بالنعالات على دماغه وقفاه من بيته الى بيت الشيخ بالموسكي بين ملأ العالم ولما انقضت تلك السنون وأهلها صار المترجم من أعيان الصدور المشار اليهم في المجالس تخشى سطوته وتسمع كلمته ويقال قال الشيخ كذا وأمر الشيخ بكذا وصار يلبس الملابس والفراوي ويركب البغال واتباعه محدقة به وتزوج الكثير من النساء الغنيات الجميلات واشتر السراري البيض والحبش والسود وكان يفرض الاكابر المقادير الكثيرة من المال ليكون له عليهم الفضل والمنة ولم يزل حتى حمله التفاخر في زمن الفرنسيس على تولية كبر أثارة الفتنة التي أصابته وغيره وقتل فيمن قتل بالقلعة ولم يعلم له قبر وكان ابنه معوقا ببيت البكري فلما علم بموته قلق وكاد يخرج من عقله خوفا على ما يعلم مكانه من مال أبيه حتى خلص في ثاني يوم بشفاعة المشايخ ولم يكن مقصودا بالذات بل حضر ليعود أباه فحجزه القومه عليهم زيادة في الاحتياط
ومات الاجل المفوه العمدة الشيخ اسمعيل البراوي بن احمد البراوي الشافعي الازهري وهو ابن اخي الشيخ عيسى البراوي الشهير الذكر تصدر بعد وفاة والده في مكانه وكان قليل البضاعة الا انه تغلب عليه النباهة واللسانة والسلاطة والتداخل وذلك هو الذي أوقعه في حبائل الفرنساوية وقتل مع من قتل شهيدا ولم يعلم له قبر غفر الله لنا وله
ومات الوجيه الاجل الامثل السيد محمد كريم وخبره انه كان في اول أمره قبانيا يزن البضائع في حانوت بالثغر وعنده خفة في الحركة وتودد في المعاشرة فلم يزل يتقرب الى الناس بحسن التودد ويستجلب خواطر حواشي الدولة وغيرهم من تجار المسلمين والنصارى ومن له وجاهة وشهرة في ابناء جنسه حتى أحبه الناس واشتهر ذكره في ثغر الاسكندرية ورشيد ومصر واتصل بصالح بك حتى كان وكيلا بدار السعادة وله الكلمة النافذة في ثغر رشيد وتملكها وضواحيها واسترق أهلها وقلد أمرها لعثمان خجا فاتحد وبمخدومه السيد محمد المذكور واتصل بمراد بك بعد صالح أغا فتقرب اليه ووافق منه الغرض ورفع شأنه على اقرانه وقلده أمر الديوان والجمارك بالثغر ونفذت كلمته واحكامه وتصدر لغالب الامور وزاد في المكوسات والجمارك ومصادرات التجار خصوصا من الإفرنج ووقع بينه وبين السيد شهبة الحادثة التي أوجبت له الاختفاء بالصهريج وموته فيه فلما حضر الفرنسيس ونزلوا الاسكندرية قبضوا على السيد محمد المذكور وطالبوه بالمال وضيقوا عليه وحبسوه في مركب ولما حضروا الى مصر وطلعوا الى قصر مراد بك وفيها مطالعته بأخبارهم وبالحث والاجتهاد على حربهم وتهوين أمرهم وتنقيصهم فاشتد غيظهم عليه فأرسلوا وأحضروه الى مصر وحبسوه فتشفع فيه ارباب الديوان عدة مرار فلم يمكن الى ان كانت ليلة الخميس فحضر اليه مجلون وقال له المطلوب منك كذا وكذا من المال وذكر له قدرا يعجز عنه واجله اثنتي عشرة ساعة وان لم يحضر ذلك القدر والا يقتل بعد مضيها فلما اصبح ارسل الى المشايخ والى السيد احمد المحروقي فحضر اليه بعضهم فترجاهم وتداخل عليهم واستغاث وصار يقول لهم اشتروني يا مسلمون وليس بيدهم ما يفتدونه به وكل انسان مشغول بنفسه ومتوقع لشيء يصيبه وذلك في مبادىء امرهم فلما كان قريب الظهر وقد انقضى الاجل اركبوه حمارا واحتاط به عدة من العسكر وبأيديهم السيوف المسلولة ويقدمهم طبل يضربون عليه وشقوا به الصليبة الى ان ذهبوا الى الرميلة وكتفوه وربطوه مشبوحا وضربوا عليه بالبنادق كعادتهم فيمن يقتلونه ثم قطعوا رأسه ورفعوها على نبرت وطافوا بها بجهات الرميلة والمنادى يقول هذا جزاء من يخالف الفرنسيس ثم ان اتباعه اخذوا رأسه ودفنوها مع جثته وانقضى أمره وذلك يوم الخميس خامس عشرى ربيع الاول
ومات الامير ابراهيم بك الصغير المعروف بالوالي وهو من مماليك محمد بك أبي الذهب وتقلد الزعامة بعد موت استاذه ثم تقلد الامارة والصنجقية في أواخر جمادى الاولى سنة 1192 وهو اخو سليمان بك المعروف بالاغا وعندما كان هو واليا كان أخوه أغات مستحفظان واحكام مصر والشرطة بينهما وفي سنة سبع وتسعين تعصب مراد بك وابراهيم بك على المترجم واخرجوه منفيا هو واخوه سليمان بك وأيوب بك الدفتردار ولما أمروه بالخروج ركب في طوائفه ومماليكه وعدى الى بر الجيزة فركب خلفه علي بك اباظه ولاجين بك ولحقوا حملته عند المعادى فحجزوها وأخذوها وأخذوا هجنه ومتاعه وعدوا خلفه فأدركوه عند الاهرام فأحتالوا عليه وردوه الى قصر العيني ثم سفروه الى ناحية السرو ورأس الخليج فأقام بها اياما وكان أخوه سليمان بك بالمنوفية فلما أرسلوا بنفيه الى المحلة ركب بطوائفه وحضر الى مسجد الخضيري وحضر اليه أخوه المترجم وركبا معا وذهبا الى جهة البحيرة ثم ذهبا الى طندتا ثم ذهبا الى شرقية بلبيس ثم توجها من خلف الجبل الى جهة قبلي وكان أيوب بك المنصورة فلحق بهما ايضا كان بالصعيد عثمان بك الشرقاوي ومصطفى بك فالتفا عليهما وعصى الجميع وارسل مراد بك وابراهيم بك محمد كتخدا اباظة واحمد اغا شويكار الى عثمان بك ومصطفى بك يطلبانهما الى الحضور فأبيا وقالا لا نرجع الى مصر الا بصحبة اخواننا والا فنحن معهم أينما كانوا ورجع المذكوران بذلك الجواب فجهزوا لهم تجريدة وسافر بها ابراهيم بك الكبير وضمهم وصالحهم وحضر بصحبة الجميع الى مصر فحنق مراد بك ولم يزل حتى خرج مغضبا الى الجيزة ثم ذهب الى قبلي وجرى بينهما ما تقدم ذكره من ارسال الرسل ومصالحة مراد بك ورجوعه واخراج المذكورين ثانيا فخرجوا الى ناحية القليوبية وخرج مراد بك خلفهم ثم رجعوهم الى جهة الاهرام وقبض مراد بك عليهم ونفيهم الى جهة بحرى وأرسل المترجم الى طندتا ثم ذهبوا الى قبلي خلا مصطفى بك وايوب بك ثم رجعوا الى مصر بعد خروج مراد بك الى قبلي واستمر امرهم على ما ذكر حتى ورد حسن باشا وخرج الجميع وجرى ما تقدم ذكره وتولى المترجم امارة الحاج ولم يسافر به ولما رجعوا الى مصر بعد الطاعون وموت اسمعيل بك ورجب بك صاهره ابراهيم بك الكثير وزوجه ابنته كما تقدم ولم يزل في سيادته وامارته حتى حضر الفرنساوية ووصلوا الى بر انبابة ومات هو في ذلك اليوم غريقا ولم تظهر رمته وذلك يوم السبت سابع صفر من السنة
ومات الامير علي بك الدفتردار المعروف بكتخدا الجاويشية وأصله مملوك سليمان افندي من خشداشين كتخدا ابراهيم القازدغلي وكان سيده المذكور رغب عن الامارة ورضي بحاله وقنع بالكفاف ورغب في معاشرة العلماء والصلحاء وفي الانجماع عن ابناء جنسه والتداخل في شؤونهم وكان يأتي في كل يوم الى الجامع الازهر ويحضر دروس العلماء ويستفيد من فوائدهم ولازم دروس الشيخ أحمد السليماني من الفقه الحنفي الى ان مات فتقيد بحضور تلميذه الشيخ احمد الغزي كذلك واقترن في حضوره بالشيخ عبد الرحمن العريشي وكان اذ ذاك مقتبل الشبيبة مجردا عن العلائق فكان يعيد معه الدروس فاتحد به لما رأى فيه من النجابة فجذبه الى داره وكساه وواساه واستمر يطالع معه في الفقه ويعيد معه الدروس ليلا وزوجه واغدق عليه وكان هو مبدأ زواجه ولم يزل ملازما حتى توفي سليمان افندي المذكور في سنة 1175 فتزوج المترجم بزوجة سيده واستمر هو وخشداشه الامير أحمد بمنزل استاذهما وتتوق نفس المترجم للترفع والامارة فتردد الى بيوت الامراء كغيره من الاجناد فقلده علي بك الكبير كشوفية شرق اولاد يحيى في سنة 1182 فتقلدها بشهامة وقتل البغاة واخاف الناحية وجمع منها أموالا واستمر حاكمها بها الى ان خالف محمد بك أبو الذهب على سيده علي بك وخرج من مصر الى الجهة القبلية فلما وصل الى الناحية كان المترجم أول من اقبل عليه بنفسه وما معه من المال والخيام فسر به محمد بك وقربه وادناه ولم يزل ملازما لركابه حتى جرى ما جرىوتملك محمد بك الديار المصرية فقلده اغاويه المتفرقة اياما قليلة ثم خيره في تقليده الصنجقية أو كتخدا الجاويشية فقال له حتى استخير في ذلك وحضر الى المرحوم الشيخ الوالد وذكر له ذلك فأشار عليه بان يتقلد كتخدا الجاويشية فانه منصب جليل واسع الايراد وليس على صاحبه تعب ولا مشقة غفر ولا سفر تجاريد ولا كثرة مصايف فكان كذلك وذلك في سنة ست وثمانين وسكن ببيت سليمان اغا كتخدا الجاويشية بدرب الجماميز على بركة الفيل ونما امره واتسع حاله واشتهر وانتظم في عداد الامراء ولم يزل على ذلك الى ان مات محمد بك فاستقل بأمارة مصر ابراهيم بك ومراد بك فكان المترجم ثالثهما واتحد بابراهيم بك اتحادا عظيما حتى كان ابراهيم بك لا يقدر على مفارقته ساعة زمانية وصار معه كالاخ الشقيق والصاحب الشفيق وصار في قبول ووجاهة عظيمة وكلمة نافذة في جميع الامور ولم يزل على ذلك حتى حضر حسن باشا بالصورة المتقدمة وخرج ابراهيم بك ومراد بك وباقي الامراء فتخلف عنهم المترجم وقد كان راسل حسن باشا سرا فلما استقر حسن باشا اقبل عليه وسلمه مقاليد الامور وقلده الصنجقية واضاف اليه الدفتردارية وفوض اليه جميع الامور الكلية والجزئية فانحصرت فيه رياسة مصر وصار عزيزها واميرها ووزيرها وقائدها جيوشها ولا يتم امر الا عن مشورته ورأيه واجتمعت ببيته الدواوين وقلد الامريات والمناصب كما يختار وقرب وادنى وابعد واقصى من يختار واشتهر ذكره في اقليم مصر والشام والروم واشار بتقليد مراد كاشف الصنجقية وامارة الحاج وسموه محمد بك المبدول كراهة في اسم مراد واشتهر بالمبدول ونجزله لوازم الحاج والصرة في أيام قليلة وسافر بالحاج على النسق المعتاد وشهل ايضا التجاريد والعساكر خلف الامراء المطرودين واستمر مطلق التصرف في مملكة مصر بقية السنة
ولما استهل رمضان ارسل لجميع الامراء والاعيان البلكات والكساوي لهم ولحريمهم ومماليكهم بالاحمال وكذلك الى العلماء والمشايخ حتى الفقهاء الخاملين المحتاجين وظن ان الوقت قد صفا له ولم يزل على ذلك حتى استقر اسمعيل بك وسافر حسن باشا وظهر له امر حسن بك الجداوي وخشداشينه أخذ يناكد المترجم ويعارضه في جميع اموره وهو يسامح له في كل ما يتعرض له فيه ويساير حاله بينهم ويكظم غيظه ويكتم قهره وهو مع ذلك وافر الحرمة واعتراه صداع في راسه وشقيقة زال ألمه بها ووجعه أشهرا وأتلف احدى عينيه وعوفى قليلا واستمر على ذلك حتى وقع الطاعون بمصر سنة خمس ومات ابن له مراهق احزنه موته وكذلك ماتت زوجته واكثر جواريه ومماليكه ومات اسمعيل بك وامراؤه ومماليكه ورضوان بك العلوي وبقي هو وحسن بك الجاوي فتجاذبا الامارة ولم يرض احدهما بالاخر فوقع الاتفاق على تأمير عثمان بك طبل تابع اسمعيل بك ظنا منهما انه يصلح لذلك وانه لا يمالىء الاعداء فكان الامر بخلاف ذلك وكره الامارة هو ايضا لمناكدة حسن بك له وراسل الامراء القبليين سرا حتى حضر واعلى الصورة المتقدمة وقصد حسن بك وعلي بك الاستعداد لحربهم وخرجوا الى ناحية طرا وتأهبوا لمبارزتهم وصار عمثان بك يثبطهما ويظهر لهما انه يدير الحيل والمكايد ولم يعلما ضميره ولم يخطر ببالهما ولا غيرهما خيانته بل كان كل منهما يظن بالآخر حتى حصل ما تقدم ذكره في محله وفر المترجم وحسن بك الى ناحية قبلي فاستمر هناك مدة ثم انفصل عن حسن بك وسافر من القصير الى بحر القلزم وطلع الى المويلح وارسل بعض ثقاته فأخذ بعض الاحتياجات سرا وذهب من هناك الى الشام واجتمع بأحمد باشا الجزار ونزل بحيفا واقام بها مدة راسل الدولة في امره فطلبوه ايهم فلما قرب من اسلامبول ارسلوا اليه من أخذه وذهب به الى برصا فأقام هناك وعينوا له كفايته في كل شهر وولد له هناك اولاد ثم احضروه في حادثة الفرنسيس واعطوه مراسيم الى ابراهيم باشا سارى عسكر في ذلك الوقت فلما وصل بيروت راسل احمد باشا واراد الاجتماع به علم احمد باشا ما بيد من المرسومات الى ابراهيم باشا فتنكر له وانحرف طبعه منه وارسل اليه يأمره بالرحيل وصادف ذلك عزل ابراهيم باشا فارتحل مقهورا الى نابلس فمات هناك بقهره وحضر من بقى من مماليكه الى مصر وسكنوا بداره التي بها مملوكه عثمان كاشف وابنته التي تركها بمصر صغيرة وقد كبرت وتأهلت للزواج فتزوج بها خازنداره الذي حضر وهو الآن مقيم معها صحبة خشداشينه ببيتها الذي بدرب الحجر
وكان المترجم اميرا لا بأس به يميل الى فعل الخير حسن الاعتقاد ويحب اهل العلم والفضائل ويعظمهم ويكرمهم ويقبل شفاعاتهم وفيه رقة طبع وميل للخلاعة والتجاهر غفر الله له وسامحه
ومات ايضا الامير ايوب بك الدفتردار وهو من مماليك محمد بك تولى الامارة والصنجقية بعد موت استاذه وقد تقدم ذكره غير مرة وكان ذا دهاء ومكر ويتظاهر بالانتصار للحق وحب الاشراف والعلماء ويشتري المصاحف والكتب ويحب المسامرة والمذاكرة وسير المتقدمين ويواظب على الصلاة في الجماعة ويقضي حوائج السائلين والقاصدين بشهامة وصرامة وصدع للمعاند خصوصا اذا كان الحق بيده ويتعلل كثير بمرض البواسير وسمعت من لفظه رؤيا رآها قبل ورود الفرنسيس بنحو شهرين تدل على ذلك وعلى موته في حربهم
ولما حصل ذلك وحضروا الى بر انبابة عدى المترجم قبل بيومين وصار يقول انا بعت نفسي في سبيل الله فلما التقى الجمعان لبس سلاحه بعد ما توضأ وصلى ركعتين وركب في مماليكه وقال اللهم اني نويت الجهاد في سبيلك واقتحم مصاف الفرنساوية والقى نفسه في نارهم واستشهد في ذلك اليوم وهي منقبة اختص بها دون اقرانه بل ودون غيرهم من جميع أهل مصر
ومات الامير صالح بك أمير الحاج في تلك السنة وهو ايضا من مماليك محمد بك ابي الذهب وتولى زعامة مصر بعد ابراهيم بك الوالي واحسن فيها السيرة ولم يتشك منه احد ولم يتعرض لاحد بأذية وتقلد ايضا كتخدا الجاويشية عندما خرج ابراهيم بك مغاضبا لمراد بك وكان خصيصا به فلما اصطلحا ورجع ابراهيم بك وعلي اغا كتخدا الجاويشية تقلد على منصبه كما كان واستمر المنترجم بطالا لكنه وافر الحرمة معدودا في الاعيان ولما خرجوا من مصر في حادثة حسن باشا ارسله خشداشينه الى الروم وكاد يتم لهم الامر فقبض عليه حسن باشاوكان اذ ذاك بالعرضي في السفر ولما رجعوا الى مصر بعد موت اسمعيل بك سكن ببيت البارودي وتزوج بزوجته وهي ام ايوب التي كانت سرية مراد بك ثم سافر ثانيا الى الروم بمراسلة وهدية وقضى اشغاله ورجع بالوكالة واخذ بيت الحبانية من مصطفى اغا وعزله من وكالة دار السعادة وسكن بالبيت واختص بمراد بك اختصاصا زائدا وبنى له دار بجانبه بالجيزة وصار لا يفارقه قط وصار هو بابه الاعظم في المهمات وكان فصيح اللسان مهذب الطبع يفهم بالاشارة يظن من يراه انه من اولاد العرب لطلاقة لسانه وفصاحة كلامه ويميل بطبعه الى الخلاعة وسماع الالحان والاوتار ويعرف طرقها ويباشر الضرب عليها بيده ثم ولى الصنجقية وتقلد امارة الحج سنة 1212 وتمم اشغاله وأموره ولوازمه على ما ينبغي وطلع بالحج في تلك السنة في أبهة عظيمة على القانون القديم في أمن وأمان ورخاء وسخاء وراج موسم التجار في تلك السنة الى الغاية
وفي أيام غيابه بالحج وصل الفرنساوية الى القطر المصري وطار اليهم الخبر بسطح العقبة وارسلوا من مصر مكاتبة بالأمان وحضوره بالحج في طائفة قليلة فأرسل اليهم ابراهيم بك يطلبهم الى بلبيس فعرج المترجم بالحاج الى بلبيس وجرى ما تقدم ذكره ولم يزل حتى مات بالديار الشامية وبعد مدة أرسلت زوجته فأحضرت رمته ودفنتها بمصر بتربة المجاورين
ومات العمدة الفاضل والنحرير الكامل الفقيه العلامة السيد مصطفى الدمنهوري الشافعي تفقه على أشياخ العصر وتمهر في المعقولات ولازم الشيخ عبد الله الشرقاوي ملازمة كلية واشتهر بنسبته اليه ولما ولى مشيخة الازهر صار المترجم عنده هو صاحب الحل والعقد في القضايا والمهمات والمراسلات عند الاكابر والاعيان وكان عاقلا ذكيا وفيه ملكة واستحضار جيد للفروع الفقهية وكان يكتب على الفتاوى على لسان شيخه المذكور ويتحرى الصواب وعبارت سلسلة جيدة وكان له شغف بكتب التاريخ وسير المتقدمين واقتنى كتبا في ذلك مثل كتاب السلوك والخطط للمقريزي واجزا من تاريخ العيني والسخاوي وغير ذلك ولم يزل حتى ركب يوما بغلته وذهب لبعض أشغاله فلما كان بخطبة الموسكي قابله خيال فرنساوي يخج فرسه فجفلت بغلة السيد مصطفى المذكور والقته من على ظهرها الى الارض وصادف حافر فرس الفرنساوي أذنه فرض صماخه فلم ينطق ولم يتحرك فرفعوه في تابوت الى منزله ومات من ليلته رحمه الله
ومات عبد الله كاشف الجرف وهو عبد اسمعيل كاشف الجرف تابع عثمان بك ذي الفقار الكبير وكان معروفا بالشجاعة والاقدام كسيده وأدرك بمصر إمارة وسيادة ونفاذ كلمة واشترى المماليك الكثيرة والخيول المسومة والجواري والعبيد وعنده عدة من الاجناد والطوائف وعمر دارا عظيمة داخل الدرب المحروق ولم يزل حتى قتل يوم السبت تاسع صفر بحرب الفرنساوية بأنبابة وكان جسيما أسود ذا شهامة وفروسية مشهورة وجبروت


عجائب الآثار في التراجم والأخبار
المؤلف : عبد الرحمن بن حسن الجبرتي
مجلة نافذة ثقافية ـ البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 17 يوليو - 0:02