بقية من مات في سنة خمس ومائتين وألف

شاطر

توتة
Admin

عدد المساهمات : 1012
تاريخ التسجيل : 13/02/2014

بقية من مات في سنة خمس ومائتين وألف

مُساهمة من طرف توتة في الأحد 25 مارس - 7:59


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة التاريخ
عجائب الآثار
الجزء الأول

{ الفصل الثاني }
في ذكر حوادث مصر وولاتها وتراجم اعيانها
ووفياتهم ابتداء من ظهور امر الفقارية
{بقية من مات في سنة خمس ومائتين وألف من الاعيان}

ومات شيخنا علم الاعلام والساحر اللاعب بالافهام الذي جاب في اللغة والحديث كل فج وخاض من العلم كل لج المذلل له سبل الكلام الشاهد له الورق والاقلام ذو المعرفة والمعروف وهو العلم الموصوف العمدة الفهامة والرحلة النسابة الفقيه المحدث اللغوي النحوي الاصولي الناظم الناثر الشيخ ابو القبض السيد محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق الشهير بمرتضى الحسيني الزبيدي الحنفي هكذا ذكر عن نفسه ونسبه ولد سنة خمس واربعين ومائة وألف كما سمعته من لفظه ورايته بخطه ونشأ ببلاده وارتحل في طلب العلم وحج مرارا واجتمع بالشيخ عبد الله السندي والشيخ عمر بن احمد بن عقيل المكي وعبد الله السقاف والمسند محمد ابن علاء الدين المزجاجي وسليمان بن يحيى وابن الطيب واجتمع بالسيد عبد الرحمن العيدروس بمكة وبالشيخ عبد الله ميرغني الطائفي في سنة ثلاث وستين ونزل بالطائف بعد ذهابه الى اليمن ورجوعه في سنة ست وستين فقرأ على الشيخ عبد الله في الفقه وكثيرا من مؤلفاته واجازه وقرأ على الشيخ عبد الرحمن العيدروس مختصر السعد ولازمه ملازمة كلية والبسه الخرقة واجازه بمروياته ومسموعاته قال وهوالذي شوقني الى دخول مصر بما وصفه لي من علمائها وامرائها وادبائها وما فيها من المشاهد الكرام فاشتاقت نفسي لرؤياها وحضرت مع الركب وكان الذي كان وقرأ عليه طرفا من الاحياء واجازه بمروياته ثم ورد الى مصر في تاسع سفر سنة سبع وستين ومائة والف وسكن بخان الصاغة وأول من عشرة وأخذ عنه السيد علي المقدسي الحنفي من علماء مصر وحضر دروس اشياخ الوقت كالشيخ احمد الملوي والجوهري والحفني والبليدي والصعيدي والمدابغي وغيرهم وتلقي عنهم واجازوه وشهدوا بعلمه وفضله وجودة حفظه واعتنى بشأنه اسمعيل كتخدا عزبان ووالاه بره حتى راج امره وترونق حاله واشتهر ذكره عند الخاص والعام ولبس الملابس الفاخرة وركب الخيول المسومة وسافر الى الصعيد ثلاث مرات واجتمع بأكابره وأعيانه وعلمائه واكرمه شيخ العرب همام واسمعيل ابو عبد الله وابو علي واولاده نصير واولاد وافي وهادوه وبروه وكذلك ارتحل الى الجهات البحرية مثل دمياط ورشيد والمنصورة وباقي البنادر العظيمة مرارا حين كانت مزينة بأهلها عامره بأكابرها واكرمه الجميع واجتمع بأكابر النواحي وأرباب العلم والسلوك وتلقى عنهم وأجازوه وأجازهم وصنف عدة رحلات في انتقالاته في البلاد القبلية والبحرية تحتوي على لطائف ومحاورات ومدائح نظما نثرا لو جمعت كانت مجلدا ضخما وكناه سيدنا السيد أبو الانوار بن وفا بابي الفيض وذلك يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف وذلك برحاب ساداتنا بني الوفا يوم زيارة المولد المعتاد ثم تزوج وسكن بعطفة الغسال مع بقاء سكنه بوكالة الصاغة وشرع في شرح القاموس حتى أتمه في عدة سنين في نحو اربعة عشر مجلدا وسماه تاج العروس ولما أكمله أولم وليمة حافلة جمع فيها طلاب العلم واشياخ الوقت بغيط المعدية وذلك في سنة احدى وثمانين ومائة وألف وأطلعهم عليه واغتبطوا به وشهدوا بفضله وسعة اطلاعه ورسوخه في علم اللغة وكتبوا عليه تقاريظهم نثرا ونظما فمن قرظ عليه شيخ الكل في عصره الشيخ علي الصعيدي والشيخ احمد الدردير والسيد عبد الرحمن العيدروس والشيخ محمد الامير والشيخ حسن الجداوي والشيخ احمد البيلي والشيخ عطية الاجهوري والشيخ عيسى البراوي والشيخ محمد الزيات والشيخ محمد عبادة والشيخ محمد العوفي والشيخ حسن الهواري والشيخ أبو الانوار السادات والشيخ علي القناوي والشيخ علي خرائط والشيخ عبد القادر بن خليل المدني والشيخ محمد المكي والسيد علي القدسي والشيخ عبد الرحمن مفتي جرجا والشيخ علي الشاوري والشيخ محمد الخربتاوي والشيخ عبد الرحمن المقرى والشيخ محمد سعيد البغدادي الشهير بالسويدي وهو آخر من قرظ عليه وكنت إذ ذاك حاضرا وكتبه نظما ارتجالا وذلك في منتصف جمادى الثانية سنة اربع وتسعين ومائة وألف
ولما أنشأ محمد بك أبو الذهب جامعه المعروف به بالقرب من الازهر وعمل فيه خزانة للكتب واشترى جملة من الكتب ووضعها بها أنهوا اليه شرح القاموس هذا وعرفوه انه إذا وضع بالخزانة كمل نظامها وانفردت بذلك دون غيرها ورغبوه في ذلك فطلبه وعوضه عنه مائة الف درهم فضة ووضعه فيها ولم يزل المترجم يخدم العلم ويرقى في درج المعالي ويحرص على جمع الفنون التي أغفلها المتأخرون كعلم الانسان والاسانيد وتخاريج الاحاديث واتصال طرائق المحدثين المتأخرين بالمتقدمين وألف في ذلك كتبا ورسائل ومنظومات وأراجيز جمة ثم انتقل الى منزل بسويقة اللالا تجاه جامع محرم افندي بالقرب من مسجد شمس الدين الحنفي وذلك في اوائل سنة تسع وثمانين ومائة والف وكانت تلك الخطة اذ ذاك عامرة بالاكابر والاعيان فاحدقوا به وتحبب اليهم واستأنسوا به وواسوه وهادوه وهو يظهر لهم الغنى والتعفف ويعظهم ويفيدهم بفوائد وتمائم ورقي ويجيزهم بقراءة أوراد واحزاب فأقبلوا عليه من كل جهة واتوا الى زيارته من كل ناحية ورغبوا في معاشرته لكونه غريبا وعلى غير صورة العلماء المصريين وشكلهم ويعرف باللغة التركية والفارسية بل وبعض لسان الكرج فأنجذبت قلوبهم اليه وتناقلوا خبره وحديثه ثم شرع في املاء الحديث على طريق السلف في ذكر الاسانيد والرواة المخرجين من حفظه على طرق مختلفة وكل من قدم عليه يملي عليه الحديث المسلسل بالاولية وهو حديث الرحمة برواته ومخرجيه ويكتب له سندا بذلك واجازة وسماع الحاضرين فيعجبون من ذلك ثم ان بعض علماء الازهر ذهبوا اليه وطلبوا منه اجازة فقال لهم لا بد من قراءة اوائل الكتب واتفقوا على الاجتماع بجامع شيخون بالصليبة الاثنين والخميس تباعدا عن الناس فشرعوا في صحيح البخاري بقراءة السيد حسين الشيخوني واجتمع عليهم بعض اهل الخطة والشيخ موسى الشيخوني امام المسجد وخازن الكتب وهو رجل كبير معتبر عند أهل الخطة وغيرها وتناقل في الناس سعى علماء الازهر مثل الشيخ احمد السجاعي والشيخ مصطفى الطائي والشيخ سليمان الاكراشي وغيرهم للاخذ عنه فازداد شأنه وعظم قدره واجتمع عليه اهل تلك النواحي وغيرها من العامة والاكابر والاعيان والتمسوا منه تبيين المعاني فانتقل من الرواية الى الدراية وصار درسا عظيما فعند ذلك انقطع عن حضوره اكثر الازهرية وقد استغنى عنهم هو ايضا وصار يملي على الجماعة بعد قراءة شيء من الصحيح حديثا من المسلسلات او فضائل الاعمال ويسرد رجال سنده ورواته من حفظه ويتبعه بأبيات من الشعر كذلك فيتعجبون من ذلك لكونهم لم يعهدوها فيما سبق في المدرسين المصريين وافتتح درسا آخر في مسجد الحنفي وقرأ الشمائل في غير الايام المعهودة بعد العصر فازدادت شهرته واقبلت الناس من كل ناحية لسماعه ومشاهدة ذاته لكونها على خلاف هيئة المصريين وزيهم ودعاه كثير من الاعيان الى بيوتهم وعملوا من اجله ولائم فاخرة فيذهب اليهم مع خواص الطلبة والمقرىء والمستملي وكاتب الاسماء فيقرأ لهم شيئا من الاجزاء الحديثية كثلاثيات البخاري او الدارمي او بعض المسلسلات بحضور الجماعة وصاحب المنزل واصحابه واحبابه واولاده وبناته ونسائه من خلف الستائر وبين ايديهم مجامر البخور بالعنبر والعود مدة القراءة ثم يختمون ذلك بالصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم على النسق المعتاد ويكتب الكاتب اسماء الحاضرين والسامعين حتى النساء والصبيان والبنات واليوم والتاريخ ويكتب الشيخ تحت ذلك صحيح ذلك وهذه كانت طريقة المحدثين في الزمن السابق كما رأيناه في الكتب القديمة
يقول الحقيراني كنت مشاهدا وحاضرا في غالب هذه المجالس والدروس ومجالس اخر خاصة بمنزله وبسكنه القديم بخان الصاغة وبمنزلنا بالصنادقية وبولاق واماكن اخر كنا نذهب اليها للنزاهة مثل غيط المعدية والازبكية وغير ذلك فكنا نشغل غالب الاوقات بسرد الاجزاء الحديثية وغيرها وهو كثير بثبوت المسموعات على النسخ وفي اوراق كثيرة موجودة الى الان وانجذب اليه بعض الامراء الكبار مثل مصطفى بك الاسكندراني وايوب بك الدفتردار فسعوا الى منزله وترددوا لحضور مجالس دروسه وواصلوه بالهدايا الجزيلة والغلال واشترى الجواري وعمل الاطعمة للضيوف واكرم الواردين والوافدين من الافاق البعيدة وحضر عبد الرزاق افندي الرئيس من الديار الرومية الى مصر وسمع به فحضر اليه والتمس منه الاجازة وقراء مقامات الحريري فكان يذهب اليه بعد فراغه من درس شيخون ويطالع له ما تيسر من المقامات ويفهمه معانيها اللغوية ولما حضر محمد باشا عزت الكبير رفع شأنه عنده واصعده إليه وخلع عليه فروة سمور ورتب له تعيينا من كلاره لكفايته من لحم وسمن وارز وحطب وخبر ورتب له علوفة جزيلة بدفتر الحرمين والسائرة وغلالا من الانبار وانهى الىالدولة شانه فأتاه مرسوم بمرتب جزيل بالضربخانة وقدره مائة وخمسون نصفا فضة في كل يوم وذلك في سنة احدى وتسعين ومائة والف فعظم امره وانتشر صيته وطلب الى الدولة في سنة اربع وتسعين فأجاب ثم امتنع وترادفت عليه المراسلات من اكابر الدولة وواصلوه بالهدايا والتحف والامتعة الثمينة في صناديق وطار ذكره في الافق وكاتبه ملوك النواحي من الترك والحجاز والهند واليمن والشام والبصرة والعراق وملوك المغرب والسودان وفزان والجزائر والبلاد البعيدة وكثرت عليه الوفود من كل ناحية وترادفت عليه منهم الهدايا والصلات والاشياء الغريبة وارسلوا اليه من اغنام فزان وهي عجيبة الخلقة عظيمة الجثة يشبه رأسها راس العجل وارسلها الى اولاد السلطان عبد الحميد فوقع لهم موقعا وكذلك ارسلوا له من طيور الببغا والجواري والعبيد والطواشية فكان يرسل من طرائف الناحية الى الناحية المستغرب ذلك عندها ويأتيه في مقابلتها اضعافها واتاه من طرائف الهند وصنعاء اليمن وبلاد سرت وغيرها اشياء نفيسة وماء الكادي والمربيات والعود والعنبر والعطرشاه بالارطال وصار له عند اهل المغرب شهرة عظيمة ومنزلة كبيرة واعتقاد زائد وربما اعتقدوا فيه القطبانية العظمى حتى ان احدهما اذا ورد الى مصر حاجا ولم يزره ولم يصله بشيء لا يكون حجه كاملا فإذا ورد عليه احدهم سأله عن اسمه ولقبه وبلده وخطته وصناعته واولاده وحفظ ذلك او كتبه ويستخبر من هذا عن ذاك بلطف ورقة فاذا ورد عليه قادم من قابل سأله عن اسمه وبلده فيقول له فلان من بلدة كذا فلا يخلو ما أن يكون عرفه من غيره سابقا او عرف جاره او قريبه فيقول له فلان طبيب فيقول نعم سيدي ثم يسأله عن اخيه فلان وولده فلان وزوجته وابنته ويشير له باسم حارته وداره وما جاورها فيقوم ذلك المغربي ويقعد ويقبل الارض تارة ويسجد تارة ويعتقد أن ذلك من باب الكشف الصريح فتراهم في ايام طلوع الحج ونزوله مزدحمين على بابه من الصباح الى الغروب وكل من دخل منهم قدم بين يدي نجواه شيئا ما فضة او تمرا او شمعا على قدر فقره وغناه وبعضهم يأتيه بمراسلات وصلات من أهل بلاده وعلمائها وأعيانها ويلتمسون منه الاجوبة فمن ظفر منم بقطعة ورقة ولو بمقدار الأنملة فكأنما ظفر بحسن الخاتمة وحفظها معه كالتميمة ويرى انه قد قبل حجه والا فقد باء بالخيبة والندامة وتوجه عليه اللوم من أهل بلاده ودامت حسرته الى يوم ميعاده وقس على ذلك ما لم يقل وشرع في شرح كتاب احياء العلوم للغزالي وبيض منه اجزاء وأرسل منها الى الروم والشام والغرب ليشتهر مثل شرح القاموس ويرغب في طلبه واستنساخه وماتت زوجته في سنة ست وتسعين فحزن عليها حزنا كثيرا ودفنها عند المشهد المعروف بمشهد السيدة رقية وعمل على قبرها مقاما ومقصورا وستورا وفرشا وقناديل ولازم قبرها اياما كثيرة وتجتمع عنده الناس والقراء والمنشدون ويعمل لهم الاطعمة والثريد والكسكسو والقهوة والشربات واشترى مكانا بجوار المقبرة المذكورة وعمره بيتا صغيرا وفرشه واسكن به امها ويبيت به احيانا وقصده الشعراء بالمراثي فيقبل منهم ذلك ويجيزهم عليه
ثم تزوج بعدها بأخرى وهي التي مات عنها واحرزت ما جمعه من مال وغيره ولما بلغ مالا مزيد عليه من الشهرة وبعد الصيت وعظم القدر والجاه عند الخاص والعام وكثرت عليه الوفود من سائر الاقطار واقبلت عليه الدنيا بحذافيرها من كل ناحية لزم داره واحتجب عن اصحابه الذين كان يلم بهم قبل ذلك الا في النادر لغرض من الاغراض وترك الدروس والاقراء واعتكف بداخل الحريم واغلق الباب ورد الهدايا التي تأتيه من اكابر المصريين ظاهره وارسل اليه مرة ايوب بك الدفتردار مع نجله خمسين اربا من البر واحمالا من الارز والسمن والعسل والزيت وخمسمائة ريال نقود وبقج كساوى أقمشة هندية وجوخا وغير ذلك فردها وكان ذلك في رمضان وكذلك مصطفى بك الاسكندراني وغيرهما وحضر اليه فاحتجب عنهما ولم يخرج اليهما ورجعا من غير أن يواجهاه ولما حضر حسن باشاالصور التي حضر فيها الى مصر لم يذهب اليه بل حضر هو لزيارته وخلع عليه فروة تليق به وقدم له حصانا معدودا مرختا بسرج وعباءة قيمته ألف دينار أعده وهياه قبل ذلك وكانت شفاعته عنده لا ترد وان ارسل اليه ارسالية في شيء تلقاها بالقبول والاجلال وقبل الورقة قبل أن يقرأها ووضعها على رأسه ونفذ ما فيها في الحال وارسل مرة الى احمد باشا الجزار مكتوبا وذكر له في انه المهدي المنتظر وسيكون له شأن عظيم فوقع عنده بموقع الصدق لميل النفوس الى الاماني ووضع ذلك المكتوب في حجابه المقلد به مع الاحراز والتمائم فكان يسر بذلك الى بعض من يرد عليه ممن يدعى المعارف في الجفور والزايرجات ويعتقد صحته بلا شك ومن قدم عليه من جهة مصر واجمع سأله عن المترجم فأن أخبره وعرفه انه اجتمع به وأخذ عنه وذكره بالمدح والثناء احبه واكرمه واجزل صلته وإن وقع منه خلاف ذلك قطب منه وأقصاه عنه وابعده ومنع عنه بره ولو كان من اهل الفضائل واشتهر ذلك عنه عند من عرف منه ذلك بالفراسة ولم يزل على حسن اعتقاده في المترجم حتى انقضى نحبهما واتفق ان مولاي محمدا سلطان المغرب رحمه الله وصله بصلات قبل انجماعه الاخير وتزهده وهو يقبلها ويقابلها بالحمد والثناء والدعاء فأرسل له في سنة احدى ومائتين صلة لها قدر فردها وتورع عن قبولها وضاعت ولم ترجع الى السلطان وعلم السلطان ذلك من جوابه فأرسل اليه مكتوبا قرأته وكان عندي ثم ضاع في الاوراق ومضمونه العتاب والتوبيخ في رد الصلة ويقول له انك رددت الصلة التي ارسلناها اليك من بيت مال المسلمين وليتك حيث تورعت عنها كنت فرقتها على الفقراء والمحتاجين فيكون لنا ولك اجر ذلك الا انك رددتها وضاعت ويلومه ايضا على شرحه كتاب الاحياء ويقول له كان ينبغي ان تشغل وقتك بشيء نافع غير ذلك ويذكر وجه لومه له في ذلك وما قاله العلماء وكلاما مفحما مختصرا مفيدا رحمه الله تعالى وللمترجم من المصنفات خلاف شرح القاموس وشرح الاحياء تأليفات كثيرة منها كتاب الجواهر المنيفة في اصول ادلة مذهب الامام ابي حنيفة رضي الله عنه مما وافق فيه الائمة الستة وهو كتاب نفيس حافل رتبه ترتيب كتب الحديث من تقديم ما روى عنه في الاعتقاديات ثم في العمليات على ترتيب كتب الفقه والنفحة القدسية بواسطة البضعة العيدروسية جمع فيه أسانيد العيدروس وهي في نحو عشرة كراريس والعقد الثمين في طرق الالباس والتلقين وحكمة الاشراق الى كتاب الافاق وشرح الصدر في شرح اسماء اهل بدر في عشرين كراسا ألفها لعلي افندي درويش وألف بأسمه ايضا التفتيش في معنى لفظ درويش ورسائل كثيرة جدا منها رفع نقاب الخفا عمن انتمى الى وفا وابى الوفا وبلغة الاريب في مصطلح آثار الحبيب واعلام الاعلام بمناسك حج بيت الله الحرام وزهر الاكمام المنشق عن جيوب الالمام بشرح صيغة سيدي عبد السلام ورشفة المدام المختوم البكري من صفوة زلال صيغ القطب البكري ورشف سلاف الرحيق في نسب حضرة الصديق والقول المثبوت في تحقيق لفظ التابوت وتنسيق قلائد المنن في تحقيق كلام الشاذلي ابي الحسن ولقط اللالى من الجوهر الغالي وهي في اسانيد الاستاذ الحفني وكتب له اجازته عليها في سنة سبع وستين وذلك سنة قدومه الى مصر والنوافح المسكية علىالفوائح الكشكية وجزء في حديث نعم الادام الخل وهدية الاخوان في شجرة الدخان ومنح الفيوضات الوفية فيما في سورة الرحمن من اسرار الصفة الالهية واتحاف سيد الحي بسلاسل بني طي وبذل المجهود في تخريج حديث شيبتي هود والمربى الكابلي فيمن روى عن الشمس البابلي والمقاعد العندية في المشاهد النقشبندية ورسالة في المناشي والصفين وشرح على خطبة الشيخ محمد البحيري البرهاني على تفسير سورة يونس وتفسير على سورة يونس مستقل على لسان القوم وشرح على حزب البر الشاذلي وتكملة على شرح حزب البكري الفاكهي من اوله فكمله للشيخ احمد البكري ومقامة سماها اسعاف الاشراف وارجوزة في الفقه نظمها باسم الشيخ حسن بن عبد اللطيف الحسني المقدسي وحديقة الصفا في والدي المصطفى وقرظ عليها الشيخ حسن المدابغي ورسالة في طبقات الحفاظ ورسالة في تحقيق قول أبي الحسن الشاذلي وليس من الكرام الى آخره وعقيلة الاتراب في سند الطريقة والاحزاب صنفها للشيخ عبد الوهاب الشربيني والتعليقة على مسلسلات ابن عقيلة والمنح العلية في الطريقة النقشبندية والانتصار لوالدي النبي المختار وألفية السند ومناقب اصحاب الحديث وكشف اللثام عن آداب الايمان والاسلام ورفع الشكوى لعالم السر والتزجوى وترويح القلوب بذكر ملوك بني أيوب ورفع الكلل عن العلل ورسالة سماها قلنسوة التاج الفها باسم الاستاذ العلامة الصالح الشيخ محمد بن بدير المقدسي وذلك لما اكمل شرح القاموس المسمى بتاج العروس فأرسل اليه كراريس من اوله حين كان بمصر وذلك في سنة اثنتين وثمانين ليطلع عليها شيخه الشيخ عطية الاجهوري ويكتب عليها تقريظا ففعل ذلك وكتب اليه يستجيزه فكتب اليه اسانيده العالية في كراسة وسماها قلنسوة التاج وأصيب بالطاعون في شهر شعبان وذلك انه صلى الجمعة في مسجد الكردي المواجه لداره فطعن بعد ما فرغ من الصلاة ودخل الى البيت واعتقل لسانه تلك الليلة وتوفي يوم الاحد فأخفت زوجته وأقاربها موته
حتى نقلوا الاشياء النفيسة والمال والذخائر والامتعة والكتب المكلفة ثم اشاعوا موته يوم الاثنين فحضر عثمان بك طبل الاسماعيلي ورضوان كتخدا المجنون وادعى ان المتوفي أقامه وصيا مختارا وعثمان بك ناظرا بسبب ان زوج اخت الزوجة من اتباع المجنون يقال له حسين أغا فلما حضروا وصحبتهما مصطفى افندي صادق اخذوا ما أحبوه وانتقوه من المجلس الخارج وخرجوا بجنازته وصلوا عليه ودفن بقبر أعده لنفسه ذلك اليوم لاشتغال الناس بأمر الطاعون وبعد الخطة ومن علم منهم وذهب بجانب زوجته بالمشهد المعروف بالسيدة رقية ولم يعلم بموته أهل الأزهر لم يدرك الجنازة ومات رضوان كتخدا في أثر ذلك واشتغل عثمان بك بالامارة لموت سيده ايضا واهمل امر تركته فأحرزت زوجته وأقاربها متروكاته ونقلوا الاشياء الثمينة والنفيسة الى دراهم ونسى أمره شهورا حتى تغيرت الدولة وتملك الامراء المصريون الذين كانوا بالجهة القبلية وتزوجت زوجته برجل من الاجناد من اتباعهم فعند ذلك فتحوا التركة بوصاية الزوجة من طرف القاضي خوفا من ظهور وارث وأظهروا ما انتفوه مما انتقوه من الثياب وبعض الامتعة والكتب والدشتات وباعوها بحضره الجمع فبلغت نيفا ومائة ألف نصف فضة فأخذ منها بيت المال شيئا واحرز الباقي مع الاول وكانت مخلفاته شيئا كثيرا جدا أخبرني المرحوم حسن الحريري وكان من خاصته وممن يسعى في خدمته ومهماته انه حضر اليه في يوم السبت وطلب الدخول لعيادته فأدخلوه اليه فوجده راقدا معتقل اللسان وزوجته واصهاره في كبكبة واجتهاد في اخراج ما في داخل الخبايا والصناديق الى الليوان ورأيت كوما عظيما من الاقمشة الهندية والمقصبات والكشميري والفراء من غير تفصيل نحو الحملين وأشياء في ظروف وأكياس لا أعلم ما فيها قال ورأيت عدد كثيرا من ساعات العبب الثمينة مبددا على بساط للقاعة وهي بغلافات بلادها قال فجلست عند رأسه حصة وأمسكت يده ففتح عينيه ونظر الي وأشار كالمستفهم عما هم فيه ثم غمض عينيه وذهب في غطوسه فقمت عنه قال ورأيت في الفسحة التي امام القاعة قدرا كثيرا من شمع العسل الكبير والصغير والكافوري المصنوع والخام وغير ذلك مما لم اره ولم التفت اليه ولم يترك ابنا ولا ابنة ولم يرثه احد من الشعراء
وكان صفته ربعة نحيف البدن ذهبي اللون متناسب الاعضاء معتدل اللحية قد وخطه الشيب في اكثرها مترفها في ملبسه ويعتم مثل اهل مكة عمامة منحرفة بشاش ابيض ولها عذبة مرخية على قفاه وله حبكه وشراريب حرير طولها قريب من فتر وطرفها الاخر داخل طي العمامة وبعض اطرافه ظاهر وكان لطيف الذات حسن الصفات بشوشا بسوماوقورا محتشما مستحضرا للنوادر والمناسبات ذكيا لوذعيا فطنا المعيا روض فضله نضير وماله في سعة الحفظ نظير جعل الله مثواه قصور الجنان وضريحه مطاف وفود الرحمة والغفران
ومات الامير الكبير اسمعيل بك وأصله من مماليك ابراهيم كتخدا وانضوى الى علي بك بلوط قبان فجعله اشراقه وأقره ونوه بشأنه وقلده الصنجقية بعد موت سيدهم وزوجه بهانم ابنة ابراهيم كتخدا وعمل لهما مهما عظيما ببركة الفيل شهرا كاملا في سنة اربع وسبعين كما تقدم ذكر ذلك وكان من المهمات الجسيمة والمواسم العظيمة التي لم يتفق نظيرها بعده بمصر ولم يزل منظورا اليه في الامارة مدة علي بك وأرسله في سرياته واعتمده في مهماته وبعثه الى سويلم بن حبيب بتجريدة فلم يزل يحاربه حتى هزمه وفر الى البحيرة فلحقه هناك ولم يزل يتبعه ويرصده حتى قتله وحضر برأسه الى مخدومه وذلك في أواخر سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف
وسافر الى الشام صحبة محمد بك ابي الذهب لمقاتلة عثمان باشا ابن العظم وأغاروا على البلاد الشامية وحاربوا يافا اربعة اشهر حتى ملكوها وسافر قبل ذلك في تجاويد الصعيد وحضر غالب مواقف الحروب مع محمد بك ومستقلا الى ان بدت الوحشة بين محمد بك وسيده علي بك وخرج مع محمد بك الى الصعيد وجرى بينهما الدم بقتله أيوب بك فأخرج اليه علي بك جردة عظيمة احتفل بها احتفالا زائدا وأميرها المترجم فلما التقى الجمعان القى عصاه وخامر على مولاه وانضم بمن معه الى محمد بك فشد عضده وخان مخدومه وحصل ما حصل من تقلبهم واستيلائهم كما ذكر واستمر مع محمد بك يراعي حرمته ويقدمه على نفسه ولا يبرم أمرا الا بعد مشاورته ومراجعته وتقلد الدفتردارية واميرا على الحج سنتين بشهامة وسير حسن ولما مات محمد بك لم تطمح نفسه للتصدر في الرياسة والامارة بل تركها لاتباعه وقنع بحاله واقطاعه ولزم داره التي عمرها بالازبكية فناكدوه وطمعوا فيما لديه وقصد مراد بك اغتياله فخرج الى خارج وتبعه المغرضون له ويوسف بك وغيره وحصل ما هو مسطر ومشروح في محله من تملكه وقتله يوسف بك وإسمعيل بك الصغير بمساعدة العلوية ثم غدروا به حتى آل الامر به الى الخروج الى البلاد الشامية وافتراق جمعه ثم سافر الى الروم مع بعض أتباعه ومماليكه وذهب منه غالب ما اجتمع لديه من الاموال وذهب الى اسلامبول فأقام بها مدة ثم نفوه الى شنق قلعة وخرج منها بحيلة تحيلها على حاكمها ثم ركب البحر الى درنة ووصل خبر ذلك الى الامراء بمصر فخرج مراد بك ليقطع عليه الطريق الموصلة الى قبلي وارصد له عيونا ينتظرونه بالطريق واقام على ذلك شهورا فلم يقفوا له على خبر وهو يتنقل عند العربان حتى انه اختفى عند بعضهم نيفا واربعين يوما في مغارة ثم انه تحيل وارسل من القى الى مراد بك انه مر من الجهة الفلانية بمعرفة الرصد المقيمين فحنق مراد بك وركب في الحال ليقطع عليه الطريق وتفرق الجمع من ذلك المكان فعند ذلك اجتاز اسمعيل بك ذلك الموضع وعداه في زي بعض العربان وخلص الى القضاء الموصل للبلاد القبلية وذهب مراد بك في نهاية مشواره فلم ير اثرا لذلك الخبر فرجع الى المكان الذي عرفوه سلوكه فوجد المرابطين على ماهم عليه من التيقظ الى ان تحقق عنده انه تحيل بذلك ومر وقت ارتحال مراد بك من ذلك الموضع فرجع بخفي حنين ولم يزل حتى كان ما كان ووصل حسن باشا على الصورة المتقدمة ورجع الى مصر وتملكها واستقل بامارتها بعد ثغر به تسع سنين ومقاساته الشدائد وظن ان الوقت قد صفا له واستكثر من شراء المماليك واحترقت داره وبناها احسن مما كانت عليه وحصن المدينة وسورها من عند طرا والجيزة وحصنها تحصينا عظيما من الجبل الى البحر من الجهتين حتى انه لما اصيب بالطاعون احضر امراءه وقال لعثمان بك طبل بحضرتهم أنت كبير القوم الباقية فافتح عينك وشد حيلك فاني حصنت لكم البلد وصيرتها بحيث لو ملكتها امرأة لم يقدر عليها عدو وتمرض يومين ومات في الثالث سادس عشر شعبان من السنة وكان أميرا جليلا كفؤا للامارة جهوري الصوت عظيم الهمة بعيد الغور كبير التدبير يحب الصلحاء والعلماء ويتادب معهم ويواسيهم ويقبل شفاعتهم ويكرمهم وله فيهم اعتقاد عظيم حسن ولما مات غسل وكفن وصلي عليه في مصلى المؤمنين ودفن بتربة علي بك مع سيدهما ابراهيم كتخدا بالقرب من ضريح الامام الشافعي بالقرافة ولم يفلح بعده خليفته عثمان بك واضاع مملكته وسلمها لاخصامه وأخصام سيده
ومات الامير رضوان بك وهو ابن اخت علي بك الكبير امره وقلده الصنجقية وجعله من الامراء الكبار فلما مات خاله واستقل بالمملكة محمد بك انزوى وارتفعت عنه الامرية واقام بطالا هو وحسن بك الجداوي مدة ايام محمد بك فلما مات محمد بك وظهر بالامارة ابراهيم بك ومراد بك لم يزل على خموله الى ان وقع التفاقم بينهم وبين اسمعيل بك فانضم هو وحسن بك الى اسمعيل بك وساعداه فرد لهما امرياتهما ونوه بشأنهما ثم نافقا عليه وخذلاه عندما سافر معهما الى قبلي وكانا هما السبب في غربته المدة الطويلة كما ذكر ثم وقع لهما ما وقع مع المحمدية وذهبا الى الجهة القبلية وأقاما هناك فلما رجع اسمعيل بك من غيبته انضم اليهما ثانيا ولم يزل معهما وافترق منهما المترجم وحضر الى مصر وانضم الى المحمدية ولما حضر حسن باشا وخرج معهم رجع ثانيا بامان واستمر بمصر حتى حضر اسمعيل بك وحسن بك فأقام معهم اميرا ومتكلما وتصادق مع علي بك كتخدا الجاويشية وعقد معه المؤاخاة ونزل مرارا الى الاقاليم وعسف بالبلاد ولما سافر حسن باشا وخلالهما الجو فجر وتجبر وصار يخطف الناس ويحبسهم ويصادرهم في اموالهم تعدى شره لكثير من الفقراء ولم يزل هذا شأنه حتى اطفا صرصر الموت شعلته وحل بساحته الطاعون ولم يفلته وأراح الله منه العباد وكان أشقر خبيثا
ومات الامير الاصيل رضوان بك بن خليل بن ابراهيم بك بلفيا من بيت المجد والعز والسيادة والرياسة وبيتهم من البيوت الجلية القديمة الشهيرة بمصر ولم يكن بمصر بيت عريق في الامارة والسيادة الا بيتهم وبيت قصبة رضوان وجميع امراء مصر تنتهي سلسلتهم اليهما وبيت القازغلية أصل منشتهم ومغرس سيادتهم من بيت بلفيا كما تقدم لان ابراهيم بك بلفيا جد المترجم مملوك مصطفى بك ومصطفى بك مملوك حسن اغا بلغيا وهو سيد مصطفى كتخدا القازدغلي ومصطفى هذا كان سراجا عند حسن اغا ورقاه وأمره حتى جعله كتخدا باب مستحفظان ونما امره وعظم شأنه وباض وأفرخ فجميع طائفة القازدغلية تنتهي نسبتهم اليه كما ذكر ذلك غير مرة ولما توفي خليل بك والد المترجم في سنة خمس وثمانين بالحجاز في امارته على الحج وترك اخاه عبد الرحمن اغا وولده رضوان هذا ورجع بالحج عبد الرحمن اغا المذكور وبعد استقرارهم اجتمعت اعيان بيتهم وأرادوا تقليد عبد الرحمن أغا صنجقا عوضا عن أخيه فأبى ذلك فاتفقوا على تقليد ابن أخيه رضوان المذكور فكان كذلك وقلدوه الامارة وفتح بيتهم وأحيا مآثرهم وانضم اليه أتباعهم وسار سيرا حسنا بعقل ورياسة لولا لثغة في لسانه وتقلد امير الحج سنة 1192 وكان كفؤا لها وطلع ورجع في أمن وراحة ورخاء ولم يزل في سيادته حتى توفي في هذه السنة واضمحل بيتهم بموته وماتت أعيانهم وعظماؤهم وخرب البيت بالكلية وانمحت آثارهم وانطفأت انوارهم وبطلت خيراتهم وخمدت حركاتهم ومن جملة ما رأيته من خيراتهم في ايام رضوان بك هذا مائة قارىء من الحفظة يقرأون القرآن كل يوم في الاوقات الخمسة في كل وقت عشرون قارئا وقس على ذلك
ومات الامير سليمان بك المعروف بالشابوري وأصله من مماليك سليمان كاويش القازدغلي فهو خشداش حسن كتخدا الشعراوي تقلد الامارة والصنجقية سنة تسع وستين ونفى مع حسن كتخدا المذكور واحمد جاويش المجنون كما تقدم في سنة ثلاث وسبعين فلما كانات ايام علي بك وورد من الديار الرومية طلب الامداد من مصر للغز وارسل علي بك فاحضر المترجم وقلده امارة السفر فخرج بالعسكر في موكب على العادة القديمة وسافر بهم الى الديار الرومية وذلك سنة ثلاث وثمانين ورجع بعد مدة واقام بطالا محترما مرعي الجانب ينافق كبار الدولة وانضم الى مراد بك فكان يجالسه ويسامره ويكرمه المذكور فلما حضر حسن باشا كان هو من جملة المتآمرين فلما استقر اسمعيل بك في امارة مصر اعتنى به وقدمه ونظمه في عداد الامراء لكبر سنه واقدميته وكان رجلا سليم الباطن لا بأس به توفي بالطاعون في هذه السنة
ومات الامير الجليل عبد الرحمن بك عثمان وهو مملوك عثمان بك الجرجاوي الذي قتل في واقعة قراميدان ايام حمزة باشا سنة تسع وسبعين كما تقدم فقلدوا عبد الرحمن هذا عوضه في الصنجقية فكان كفؤا لها وكان متزوجا ببنت الخواجا عثمان حسون التاجر العظيم المشهور المتوفي في ايام الامير عثمان بك ذي الفقار وخلف منها ولده حسن بك وكان المترجم حسن السيرة سليم الباطن والعقيدة محبوب الطباع جميل الصورة وجيه الطلعة وكان محمد بك ابو الطهب يحبه ويجله ويعظمه ويقبل قوله ولا يرد شفاعته وكان يميل بطبعه الى المعارف ويحب اهل العلم والفضائل ويجيد لعب الشطرنج ومن مآثره انه عمر جامع أبي هريرة الذي بالجيزة على الصفة التي هو عليها الآن وبنى بجانبه قصرا وذلك في سنة ثمان وثمانين ولما أتمه وبيضه عمل به وليمة عظيمة وجمع علماء الزهر على كرسي وأملى حديث من بنى لله مسجدا بحضرة الجمع وكان شيخنا السيد محمد مرتضى حاضرا وباقي العلماء والمشايخ والحقير في جملتهم وكنت حررت له المحراب على انحراف القبلة ثم انتقلنا الى القصر ومدت الاسمطة وبعدها الشربات والطيب وكان يوما سلطانيا توفي رحمه الله في شعبان بمنزله الذي بقيسون جوار بيت الشابوري ودفن عند سيده بالقرافة
ومات في اثره ولده حسن بك المذكور وكان فطنا نجيبا ويكتب الخط الجيد ويميل بطبعه الى الفضائل ودويها منزها عما لا يعنيه من النقائص والرذائل عوض الله شبابه الجنة
ومات الامير سليم بك الاسماعيلي من مماليك اسمعيل بك قلده الأمارة في سنة احدى وتسعين وخرج مع سيده الى الشام ثم رجع الى مصر بعد سفر سيده الى الروم وأقام بها بطالا في بيته بجوار المشهد الحسيني ببعض خدم قليلة ويذهب الى المسجد في الاوقات الخمسة فيصلى مع الجماعة ويتنفل كثيرا ولم يزل على ذلك حتى رجع سيده الى مصر فرد له امارته ورجع الى داره الكبيرة وتقلد امارة الحج في سنة اثنتين ونزل الى اقليم المنوفية وجمع المال والجمال ورجع وطلع بالحج وعاد في أمن وأمان ولم يزل في امارته حتى توفي بالطاعون في هذه السنة وكان طوالا جسيما خيره أقرب من شره
ومات الامير علي بك المعروف بجركس الاسماعيلي وهو من مماليك اسمعيل بك ايضا وقلده الامارة في مدته السابقة واسكنه ببيت صالح بك الذي بالكبش ولما تغرب سيده حضر الى مصر واقام خاملا وسكن بالكعكين وكان لطيفا مهذبا خفيف الروح ضحوك السن يحب العلماء والصلحاء ويتأدب معهم ويكرمهم ولما مات خشداشة ابراهيم بك قشطة تزوج بعده بزوجته بنت اسمعيل بك ولم يزل حتى توفي بعد سيده بأيام قليلة
ومات الامير غيطاس بك وهو من بيت صالح بك تابع مصطفى بك القرد وكان يعرف اولا بغيطاس كاشف تقلد الامارة في سنة مائتين وتولى امارة الحج في سنة 1201 فسار فيها سيرا حسنا وطلع بالحد ورجع مستورا واستمر اميرا الى ان مات على فراشه بالطاعون في بيته بخط باب اللوق فقلدوا بعده مملوكه صالح امارته وهو موجود الى الان في الاحياء وكان المترجم اميرا جليلا محتشما قليل التبسم من رآه ظنه متكبر السكون جاشه وكان لا بأس به في الجملة
ومات الامير علي بك الحسني وهو من مماليك حسن بك الجداوي قلده الامارة في ايام حسن باشا وتزوج بزوجة مصطفى بك الداودية المعروف بالاسكندراني وكان لطيف الذات جميل الطباع سهل الانقياد قليل العناد توفي في رجب من السنة بالطاعون ودفن بالمشهد الحسيني بمدفن القضاة ووجدت عليه زوجته وجدا كثيرا
ومات الامير رضوان كتخدا وهو من مماليك احمد كتخدا المجنون تنقل في المناصب حتى تولي كتخدائية الباب بحشمة وشهامة وعقل وسكون ولما استقل اسمعيل بك في امارة مصر نوه بشأنه واحبه وصار في تلك الايام احد المتكلمين المشار اليهم في الامر والنهي ونفاذ الكلمة والرياسة وكان قريبا الى الخير واشتهر اكثر من سيده وصار له اولاد وعزوة واتباع ومماليك وبنى لاكبر اولاده دارا بدرب سعادة وسكن هو في بيت استاذه توفي في اواخر شهر شعبان وكذلك اولاده وجواريه ومماليكه وخربت بيوتهم في أقل من شهر
ومات الامير عثمان آغا مستحفظان الجلفي وأصله من مماليك رضوان كتخدا الجلفي وتربى عند خليل بك شيخ البلد القازدغلي ولم يزل يتنقل في خدم الامراء ومعاشرتهم حتى تقلد الاغاوية في أيام اسمعيل بك ثم عزل عنها وتولاها ثانيا اياما قليلة ومات ايضا بالطاعون وخلف شيئا كثيرا من المال والنوال أخذه جميعه حسن بك الجداوي لانه كان منضوبا اليه وفي طريقتهم انهم يرثون من يكون منتسبا اليهم او جارا لهم وكان انسانا لا بأس به ومحضره خير ويحب اقتناء للكتب والمسامرة في الاخبار والنوادر مع ما فيه من نوع البلادة
ومات الامير المبجل حسن افندي شقبون كاتب الحوالة وأصله مملوك احمد افندي مملوك مصطفى افندي شقبون نشأ في الرياسة وخدمة الوزراء والاكابر وحاز شيئا كثيرا من الكتب النفيسة والتي بخط الاعاجم والفارسية والخطوط التعليق المكلفة والمذهبة والمصورة مثل كليلة ودمنة وشاهنامة وديوان حافظ والتواريخ التي من هذا القبيل المصور بها صور الملوك البديعة الصنعة والاتقان الغالية الثمن النادرة الوجود وكان قريبا الى الخير محتشما في نفسه توفي ايضا بالطاعون وتبددت كتبه وذخائره
ومات الامير محمد آغا البارودي وهو مملوك احمد أغا مملوك ابراهيم كتخدا القازدغلي رباه سيده وجعله خازنداره وعقد له على ابنته فلما توفي سيده في سنة ثمان وثمانين طلقها وتزوج بزوجة سيد هانم بنت ابراهيم كتخدا من الست البارودية وهي أم أولاده ابراهيم وعلي ومصطفى الذين تقدم ذكرهم والتي كان عقد عليها كانت من غيرها فتزوجها حسن كاشف من اتباعهم تنبه المترجم وتداخل في الامراء والاكابر وانضوى الى حسن كتخدا الجربان عندما كان كتخدا مراد بك فقلده في الخدم والقضايا وأعجبه سياسته وحسن سعيه فارتاح اليه وكان حسن كتخدا المذكور تعتريه النوازل فينقطع بسببها أياما بمنزله فينوب عنه المترجم في الكتخدائية عند مراد بك فيحسن الخدمة والسياسة وتنميق الامور ويستجلب له المصالح فأحبه وأعجب به وقلده الامور الجسيمة وجعله أمين الشون فعند ذلك اشتهر ذكره ونما امره واتسع حاله وانفتح بيته وقصدته الناس وتردد إليه الأعيان في قضاء الحوائج ووقفت ببابه الحجاب واتخذ له ندماء وجلساء من اللطفاء واولاد البلد يجلس معهم حصة من الليل ينادمونه ويسامرونه ويضاحكونه ويشرب معهم وماتت زوجته ابنة سيد سيده من بنت البارودي فزوجه مراد بك أكبر محاظية ام ولده أيوب وأتت الى بيته بجهاز عظيم وصار بذلك صهرا لمراد بك وزادت شهرته ورفعته فلما حصلت الحوادث ووصل حسن باشا وخرج مراد بك من مصر فلم يخرج معه واستمر بمصر وقبض عليه اسمعيل بك وحبسه مع عمر كاشف ببيته ثم نقلهما الى القلعة بباب مستحفظان مدة فلم يزل المترجم حتى صالح عن نفسه وأفرج عنه وتقيد بخدمة اسمعيل بك وتداخل معه حتى نصبه في كتخدائيته واحبه واحتوى على عقله فسلم اليه قياده في جميع اشغاله وارتاح اليه وجعله أمين الشون والضربخانة وغيرهما فعظم شانه وارتفع قدره وطار صيته بالأقاليم المصرية وكثر الازدحام ببابه وجبيت اليه الاموال وصار الايراد اليه والمصرف من يده فيصرف جماكي العسكر ولوازم الدولة وهداياها ومصاريف العمائر والتجاريد واحتياجات أمير الحاج وغير ذلك بتؤدة وزياقة وحسن طريقة من غير جلبةولا عسف ولا شعور لاحد من الناس بشيء من ذلك وكل شيء سأل عنه مخدومه أو اشار بطلبه أو فعله وجده حاضرا ولم يشتغل امراء الحاج في زمن اسمعيل بك بشيء من لوازم الحج بل كان هو يقضي جميع اللوازم من الجمال والارحال والقرب والخيش والعليق والذخيرة التي تسافر في البحر والبر وعوائد العرب وكساويهم والهجن والبغال وارباب الصيت وغير ذلك ليلاونهارا في اماكن بعيدة عن داره تحت ايدي مباشريه الذين وظفهم وأقامهم في ذلك بحيث اذا اقتضى لاحدهم شيئا أتاه وأسر له في أذنه فيوجهه بطرف كلمة ولا يشعر احد من الجالسين معه بشيء وإذا كان وقت خروج المحمل فلا يرى امير الحاج الا جميع احتياجاته ولوازمه حاضرة مهيأة على أتم ما يكون وأكمله وزوج ابنة سيده لخازنداره علي أغا وعمل لهما مهما عظيما عدة ايام وحضر اسمعيل بك والامراء والاعيان وأرسلوا إليه الهدايا العظيمة وكذلك جميع التجار والنصارى والكتاب القبط ومشايخ البلدان وبعد تمام ايام العرس ولياليه بالسماعات والآلات والملاعيب والنقوط عملوا للعروس زفة بهيئة لم يسبق نظيرها ومشى جميع اربا الحرف وأرباب الصنائع مع كل طائفة عربة وفيها هيئة صناعتهم ومن يشتغل فيها مثل القهوجي بآلته وكانونه والحلواني والفطاطري والحباك والقزاز بنوله حتى مبيض النحاس والحيطان والمعاجيني وبياعين البز وارباب الملاهي والتماءالمغنيين وغيرهم كل طائفة في عربة وكان مجموعها نيفا وسبعين حرفة وذلك خلاف الملاعيب والبهالوين والرقاصين والجنك ثم الموكب وبعده الاغوات والحريم والملازمون والسعاة والجاويشية وبعدها عربة العروس من صناعة الافرنج بديعة الشكل وبعدها مماليك الخزنة والملبسون الزروخ وبعدهم النوبة التركية والنفيرات وكانت زفة غريبة الوضع لم ينفق مثلها بعدها وبلغ المترجم في هذه الايام من العظمة ما لم يبلغه أحد من نظرائه وكان إذا توجهت همته الى أي شيء اتمه على الوجه الذي يريده ويقبل الرشوة واذا أحب انسانا قضى له اشغاله كائنة ما كانت من غير شيء فلما مات مخدومه اسمعيل بك وتعين في الامارة بعده عثمان بك طبل استوزره ايضا وسلمه قيادة في جميع أموره وهو الذي أشار عليه بممالاته الامراء القبليين عندما تضايق خناقه من حسن بك الجداوي ومناكدته له فكاتبهم سرا بسفارته وأطمعهم في الحضور وتمكينهم من مصر ومات المترجم في اثناء ذلك في غرة رمضان وذلك بعد اسمعيل بك بأربعة عشر يوما
ومات الصنو الوجيه والفريد النبيه محمد افندي بن سليمان افندي ابن عبد الرحمن افندي بن مصطفى افندي ككليويان ويقال لها في اللغة العامية جمليان نشأ في عفة وصلاح وخير وطلب العلم وعانى الجزئيات والرياضيات ولازم الشيخ المرحوم الوالد وقرأ عليه كثير من الحسابيات الفلكيات والهيئة والتقويم ومهر في ذلك وانتظم في عدد ارباب المعارف واشترى كتبا كثيرة في الفن واستكتب وكتب بخطه الحسن واقتنى الالات والمستظرقات وحسب وقوم الدساتير السنوية عشرة اعوام مستقبلة بأهلتها وتواريخها وتواقيعها ورسم كثيرا من الالات الغريبة والمنحرفات وكان شغله وحسابه في غاية الضبط والصحة والحسن وكان لطيف الذات مهذب الاخلاق قليل الادعاء جميل الصحبة وقورا مات ايضا بالطاعون في شعبان وتبددت كتبه وآلاته
ومات ايضا الخدن الشقيق والمحب الشفيق النجيب الاريب الامير رضوان الطويل وهو من مماليك علي كتخدا الطويل وكان من هذا القبيل متولعا من صغره بهذا الفن وقرأ على الشيخ المتقن الشيخ عثمان الورداني وغيره وأنجب وحسب ورسم واشتغل فكره بذلك ليلا نهارا ورسم الارباع الصحيحة المتقنة الكبيرة والصغيرة والمزاول والمنحرفات وغير ذلك من الآلات المبتكرة والرسميات الدقيقة واتسع باعه في ذلك واشتهر ذكره الى ان قطعت يد الاجل نواره واطفأت رياح المنية انواره
ومات الجناب المكرم والاختيار المعظم الامير اسمعيل افندي الخلوتي اختيار جاويشان كان رجلا من أعيان الاختيارية في وقته معروفا صاحب حشمة ووقار ومعرفة بالسياسة وأمور الرياسة ولم يزل حتى توفي في شهر شعبان سنة 1205 بالطاعون
ومات ايضا الجناب المكرم محمد افندي باشقلفة وهو مملوك يوسف افندي باشقلفة وخشداش محمد افندي ثاني قلفة وعبد الرحمن افندي وكان مليح بالذات جميل الصفات تقلد كتابة هذا القلم عندما تلبس السيد محمد باشقلفة بكتابة الروزنامة فسار فيها سيرا حسنا وحمدت مساعيه الى ان وافاه الحمام وسارت نواعيه
ومات ايضا النبيه اللطيف والمفرد العفيف احمد افندي الوزان بالضربخانة وكان انسانا حسنا جميل الاوضاع مترهف الطباع محتشما وقورا ودودا محبوبا لجميع الناس


عجائب الآثار في التراجم والأخبار
المؤلف : عبد الرحمن بن حسن الجبرتي
مجلة نافذة ثقافية ـ البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 13 نوفمبر - 2:57