احداث سنة تسعين ومائة وألف

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 991
تاريخ التسجيل : 13/02/2014

احداث سنة تسعين ومائة وألف

مُساهمة من طرف الإدارة في الأربعاء 7 مارس - 14:15


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة التاريخ
عجائب الآثار
الجزء الأول

{ الفصل الثاني }
في ذكر حوادث مصر وولاتها وتراجم اعيانها
ووفياتهم ابتداء من ظهور امر الفقارية
{ احداث سنة تسعين ومائة وألف }

كان سلطان العصر فيها السلطان عبد الحميد بن أحمد خان العثماني ووالي مصر الوزير محمد باشا عزت الكبير وأمراؤها ابراهيم بيك ومراد بيك مملوكا محمد بيك أبي الذهب وخشداشينهما أيوب بيك الكبير ويوسف بيك أمير الحاج ومصطفى بيك الكبير وأحمد بيك الكلارجي وأيوب بيك الصغير ومحمد بيك طبل وحسن بيك سوق السلاح وذو الفقار بيك ولاجين بيك ومصطفى بيك الصغير وعثمان بيك الشرقاوى وخليل بيك الابراهيمي ومن البيوت القديمة حسن بيك قصبة رضوان ورضوان بيك بلفيا وابراهيم بيك طبان وعبد الرحمن بيك عثمان الجرجاوى وسليمان بيك الشابورى وبقايا اختيارية الوجاقات مثل أحمد باشجاويش اآرنؤد واحمد جاويش المجنون واسمعيل أفندى الخلوتي وسليمان البرديسي وحسن أفندى درب الشمسي وعبد الرحمن أغا مجرم ومحمد أغا محرم وأحمد كتخدا المعروف بوزير وأحمد كتخدا الفلاح وباقي جماعة الفلاح وابراهيم كتخدا مناو وغيرهم والامرا والنهي للامراء المحمدية المتقدم ذكرهم وكبيرهم وشيخ البلد ابراهيم بيك ولا ينفذ أمر بدون اطلاع قسيمة مراد بيك واسمعيل بيك الكبير متنزه ومنعكف في بيته وقانع بايراده وبلاده ومنزو عن التداخل فيهم من موت سيدهم وعمر داره التي بالازبكية وأقام بها
وفيها في يوم الخميس سابع شهر صفر وصل الحج الى مصر ودخل الركب وأمير الحاج يوسف بيك
وفي ليلة الجمعة تاسع صفر وقع حريق بالازبكية وذلك في نصف الليل بخطة الساكت احترق فيها عدة بيوت عظام وكان شيئا مهولا ثم انها عمرت في أقرب وقت والذي لم يقدر على العمارة باع أرضه فاشتراها القادر وعمرها فعمر رضوان بيك بلفيا دارا عظيمة وكذلك الخواجا السيد عمر غراب والسيد أحمد عبد السلام والحاج محمود محرم بحيث انه لم يأت النيل القابل الا وهي أحسن وأبهج مما كانت عليه
وفيها سقط ربع بسوق الغورية ومات فيه عدة كثيرة من الناس تحت الردم ثم ان عبد الرحمن أغا مستحفظان اخذ تلك الاماكن من أربابها شراء وأنشأ الحوانيت والربع علوها والوكالة المعروفة الآن بوكالة الزيت والبوابة التي يسلك منها من السوق
وفيها حضر جماعة من الهنود ومعهم فيل صغير ذهبوا به الى قصر العيني وادخلوه بالاسطبل الكبير وهرع الناس للفرجة عليه ووقف الخدم على ابواب القصر يأخذون من المتفرجين دراهم وكذلك سواسة الهنود جمعوا بسببه دراهم كثيرة وصار الناس يأتون اليه بالكعك وقصب السكر ويتفرجون على مصه في القصب وتناوله بخرطومه وكان الهنود بخاطبونه بلسانهم ويفهم كلامهم واذا احضروه بين يدي كبير كلموه فيبرك على يديه ويشير بالسلام بخرطومه
وفيها في شهر رمضان تعصب مراد بيك وتغير خاطره على ابراهيم بيك طنان ونفاه الى المحلة الكبيرة وفرق بلاده على من أحب ولم يبق له الا القليل
وفيها شرع الامير اسمعيل بك في عمل مهم لزواج ابنه وهي من زوجته هانم بنت سيدهم ابراهيم كتخدا الذي كان تزوجها في سنة أربع وسبعين بالمهم المذكور في حوادث تلك السنة وكان ذلك المهم في اوائل شهر ذي الحجة وكان قبل هذا المهم حصل بينه وبين مراد بك منازعة ومخاصمة وسببها ان مراد بك اراد ان يأخذ من اسمعيل بك السرور وراس الخليج فوقع بينهما مشاحنة ومخاصمة كاد يتولد منها فتنة فسعى في الصلح بينهما ابراهيم بك فاصطلحا على غل وشرع في اثر ذلك اسمعيل بك في عمل الفرح فاجتمعوا يوم العقد في وليمة عظيمة ووقف مراد بك وفرق المحارم والمناديل على الحاضرين وهو يطوف بنفسه على اقدامه وعمل المهم اياما كثيرة ونزل محمد باشا عزت باستدعاء الى بيت اسمعيل بك وعندما وصل الى حارة قوصول نزل الامراء باسرهم مشاة على اقدامهم لملاقاته فمشوا جميعا امامه على اقدامهم وبأيديهم المباخر والقماقم ولم يزالوا كذلك حتى طلع الى المجلس ووقفوا في خدمته مثل المماليك حتى انقضى الطعام والشربات وقدموا له الهدايا والتقادم والخيول الكثيرة المسمومة ولما انقضت ايام الولائم زفوا العروس الى زوجها ابراهيم أغا الذي صنجقه إسمعيل بك وهو خازنداره ومملوكه ويسمونه قشطة وكانت هذه الزفة من المواكب الجليلة ومشى فيها الفيل وعليه خلعة جوخ احمر فكان ذلك من النوادر
ومات في هذه السنة الفقية المتفنن العلامة الشيخ احمد بن محمد ابن محمد السجاعي الشافعي لازهرى ولد بالسجاعية قرب المحلة وقدم الازهر صغيرا فحضر دروس الشيخ العزيزي والشيخ محمد السجيني والشيخ عبده الديوى والسيد علي الضرير فقهر ودرس وأفتى وألف وكان ملازما على زيارة قبور الاولياء ويحيي الليالي بقراءة القرآن مع صلاح وديانة وولاية وجذب وله مع الله حال غريب وهو والد الشيخ الاوحد احمد الآتي ذكره في تاريخ موته
توفي المترجم رحمه الله تعالى في عصر يوم الاربعاء ثامن عشرين ذي القعدة
ومات الشيخ الامام الفقية العلامة الشيخ عطية بن عطية الاجهورى الشافعي البرهاني الضرير ولد بأجهور الورد احدى قرى مصر وقدم مصر فحضر دروس الشيخ العشماوى والشيخ مصطفى العزيزى وتفقه عليها وعلى غيرهما واتقن في الاصول وسمع الحديث ومهر في الآلات وأنجب ودرس المنهج والتحرير مرارا وكذا جمع الجوامع بمسجد الشيخ مطهر وله في أسباب النزول مؤلف حسن في بابه جامع لما تشتت من أبوابه وحاشية على الجلالين مفيدة وكذلك حاشية على شرح الزرفاني على البيقونية في مصطلح الحديث وغير ذلك وقد حضر عليه غالب علماء مصر الموجودين واعترفوا بفضله وأنجبوا ببركته وكان يتأنى في تقريره ويكرر الالقاء مرارا مراعاة للمستملين الذين يكتبون ما يقوله ولما بنى المرحوم عبد الرحمن كتخدا هذا الجامع المعروف الآن بالشيخ مطهر الذي كان أصله مدرسة للحنفية وكانت تعرف بالسيوفيين بنى للمترجم بيتا بدهليزها وسكن فيه بعياله وأولاده توفي في أواخر رمضان
ومات الشيخ الفاضل النجيب أحمد بن محمد بن العجمي الشافعي كان شابا فهيما دراكا ذا حفظ جيد حضر على علماء العصر وحصل المعقول والمنقول وأدرك جانبا من العلوم والمعارف ودرس وأملي ولو عاش لانتظم في سلك أعاظم العلماء ولكن اخترمته المنية في يوم الاثنين حادي عشرين جمادى الآخرة
ومات الشيخ الصالح الورع الناسك أحمد بن نور الدين المقدسي الحنفي امام جامع قجماس وخطيبه بالدرب الاحمر وهو أخو الشيخ حسن المقدسي مفتي السادة الحنفية شارك أخاه الشيخ حسنا المذكور في شيوخه واشتغل بالعلم وكان شيخا وقورا بهى الشكل مقبلا على شأنه منجمعا عن الناس
توفي ليلة الاثنين سادس عشر ربيع الاول
ومات الفقيه الفاضل الشيخ ابراهيم بن خليل الصيحاني الغزى الحنفي ولد بغزة وبها نشأ وقرأ بعض المتون على فضلاء بلده وورد الجامع الازهر فحضر الدروس ولازم المرحوم الوالد حسنا الجبرتي وتلقى عنه الفقه وبعض العلوم الغريبة ثم عاد الى غزة وتولى الافتاء بالمذهب وكان يرسل الى الوالد في كل سنة جانبا من الموز المر في غلق مقدار عشرين رطلا فنخرج دهنه ونرفعه في الزجاج لنفع الناس في الدهن ومعالجات بعض الامراض والجروحات ولم يزل على ذلك حتى ارتحل الى دمشق وتولى أمانة الفتوى بعد الشيخ عبد الشافعي فسار أحسن سير
وتوفي بها في هذه السنة في عشر التسعين رحمه الله
ومات الفقيه الفاضل الصالح الشيخ علي بن محمد بن نصر بن هيكل ابن جامع الشنويهي تفقه على جماعة من فضلاء العصر وكان يحضر درس الحديث في كل جمعة على السيد البليدى ودرس بالازهر وانتفع به الطلبة وكان مشهورا بمعرفة الفروع الفقهية وكان درسه حافلا جدا وله حظ في كثرة الطلبة وكان الاشياخ يتضايقون من حلقة درسه فيطردونه من المقصورة فيخرج الى الصحن فتملأ حلقة درسه صحن الجامع وفي بعض الاحيان ينتقل الى مدرسة السنانية بجماعته وكان يخطب بجامع الاشرفية بالوراقين وخطبته لطيفة مختصرة وقرأ المنهج مرارا وكان شديد الشكيمة على نهج السلف الاول لا يعرف التصنع وكان يخبر عن نفسه انه كان كثير الرؤيا للنبي صلى الله عليه و سلم انه لما تنزل مدرسا في المحمدية من جملة الجماعة انقطع عنه ذلك وكان يبكي ويتأسف لذلك
توفي في ثامن عشر شعبان وأملى نسبه على الدكة الى سيدنا علي رضي الله عنه
ومات الامير الكبير الشهير عثمان بك الفقارى باسلامبول في هذه السنة وكان مدة غربته ببرصا واسلامبول نيفا وأربعا وثلاثين سنة وقد تقدم ذكره وذكر مبدأ أمره وظهوره وسبب خروجه من مصر ما يغنى عن اعادة بعضه وهو أمر مشهور والى الآن بين الناس مذكور حتى انهم جعلوا سنة خروجه تاريخا يؤرخون به وفياتهم ومواليدهم فيقولون ولد فلان سنة خروج عثمان بك ومات فلان بعد خروج عثمان بك بسنة أو شهر مثلا
ومات الامير عبد الرحمن كتخدا وهو بن حسن جاويش القازدغلي أستاذ سليمان جاويش أستاذ ابراهيم كتخدا مولى جميع الامراء المصريين الموجودين الآن
وخبره ومبدأ اقبال الدنيا عليه انه لما مات عثمان كتخدا القازدغلي واستولى سليمان جاويش الجوخدار على موجوده ولم يعط المترجم الذي هو ابن سيد أستاذه شيئا ولم يجد من ينصفه في ايصال حقه من طائفة باب الينكجرية حسدا منهم وميلا لاهوائهم واغراضهم فحنق منهم وخرج من بابهم وانتقل الى وجاق العزب وحلف انه لا يرجع الى وجاق الينكجرية ما دام سليمان جاويش الجوخدار حيا وبر في قسمه فانه لما مات سليمان جاويش ببركة الحاج سنة 1152 كما تقدم بادر سليمان كتخدا الجاويشية زوج أم عبد الرحمن كتخدا واستأذن عثمان بك في تقليد عبد الرحمن جاويش السردارية عوضا عن سليمان جاويش لانه وارثه ومولاه وأحضروه ليلا وقلدوه ذلك وأحضر الكاتب والدفاتر وتسلم مفاتيح الخشخانات والتركة بأجمعها وكان شيئا يجل عن الوصف وكذلك تقاسيط البلاد ولم تطمع نفس عثمان بك لشيء من ذلك وأخذ المترجم غرضه من باب العزب ورجع الى باب الينكجرية ونما امره من حينئذ وحج صحبة عثمان بك في سنة خمس وخمسين وأقام هناك الى سنة احدى وستين فحضر مع الحجاج وتولى كتخدا الوقت سنتين وشرع في بناء المساجد وعمل الخيرات وابطال المنكرات فأبطل خمامير حارة اليهود فأول عماراته بعد رجوعه السبيل والكتاب الذي يعلوه بين القصرين وجاء في غاية الظرف وأحسن المباني وأنشأ جامع المغاربة وعمل عند بابه سبيلا وكتابا وميضاة تفتح بطول النهار وأنشأ تجاه باب الفتوح مسجدا ظريفا بمنارة وصهريج وكتاب ومدفن السيدة السطوحية وأنشأ بالقرب من تربة لازبكية سقاية وحوضا لسقي الدواب ويعلوه كتاب وفي الحطابة كذلك وعند جامع الدشطوطي كذلك وأنشأ وزاد في مقصورة الجامع الازهر مقدار النصف طولا وعرضا يشتمل على خمسين عامودا من الرخام تحمل مثلها من البوائك المقوصرة المرتفعة المتسعة من الحجر المنحوت وسقف اعلاها بالخشب النفي وبنى به محرابا جديدا ومنبرا وأنشأ له بابا عظيما جهة حارة كتامة وبنى باعلاه مكتبا بقناطر معقودة على أعمدة أعمدة من الرخام لتعليم الايتام من أطفال المسلمين القرآن وبداخله رحبة متسعة وصهريج عظيم وسقاية لشرب العطاش المارين وعمل لنفسه مدفنا بتلك الرحبة وعليه قبة معقودة وتركيبة من رخام بديعة الصنعة وبها أيضا رواق مخصوص بمجاورى الصعائدة لطلب العلم يسلك اليه من تلك الرحبة بدرج يصعد منه الى الرواق وبه مرافق ومنافع ومطبخ ومخادع وخزائن كتب وبنى بجانب ذلك الباب منارة وأنشأ بابا آخر جهة مطبخ الجامع وعليه منارة ايضا
وبنى المدرسة الطيبرسية وأنشأها نشوأ جديدا وجعلها مع مدرسة الآقبغاوية المقابلة لها من داخل الباب الكبير الذى أنشأه خارجهما جهة القبو الموصل للمشهد الحسيني وخان الجراكسة وهو عبارة عن بابين عظيمين كل باب بمصراعين وعلى يمينهما منارة وفوقه مكتب ايضا وبداخله على يمين السالك بظاهر الطيبرسية ميضاة وأنشأ لها ساقية لخصوص اجراء الماء اليها وبداخل باب الميضاة درج يصعد منه للمنارة ورواق البغداديين والهنود فجاء هذا الباب وما بداخله من الطيبرسية والآقبغاوية والاورقة من أحسن المباني في العظم والوجاهة والفخامة وعمل عند باب القبة الصهريج والمقصورة الكبيرة التي بها ضريح شيخ الاسلام زكريا الانصاري فيما بين المسجد ودهليز القبة وفرش طريق القبة بالرخام الملون يسلك اليه الدهليز طويل متسع وعليه بوابة كبيرة من داخل الدهليز البراني وعلى لدهليز البرااني من كلتا الجهتين بوابتان
وعمر أيضا المشهد النفيسي ومسجده وبنى الصهريج على هذه الهيئة الموجودة وجعل لزيارة النساء طريقا بخلاف طريق الرجال
وبنى أيضا مشهد السيدة زينب بقناطر السباع ومشهد السيدة سكينة بخط الخليفة والمشهد المعروف بالسيدة عائشة بالقرب من باب القرافة والسيدة فاطمة والسيدة رقية والجامع والرباط بحارة عابدين وكذلك مشهد أبي السعود الجارحي على الصفة التي هو عليها الآن ومسجد شرف الدين الكردى بالحسينية
ومسجدا بخط الموسكى وبنى للشيخ الحفني دارا بجوار ذلك المسجد وينفذ اليه من داخل وعمر المدرسة السيوفية المعروفة بالشيخ مطهر بخطبات الزهومة وبنى لوالدته بها مدفنا
وأنشأ خارج باب القرافة حوضا وسقاية وصهريجا وجدد المارستان المنصورى وهدم أعلى القبة الكبيرة المنصورية والقبة التي كانت بأعلى الفسحة من خارج ولم يعد عمارتهما بل سقف قبة المدفن فقط وترك الاخرى مكشوفة ورتب له خيرات وأخبازا زيادة على البقايا القديمة ولما عزم على ترميمه وعمارته أراد ان يحتاط بجهات وقفه فلم يجد له كتاب وقف ولا دفترا وكانت كتب أوقافه ودفاتره في داخل خزانة المكتب فاحترقت بما فيها من كتب العلم والمصاحف ونسخ الوقفيات والدفاتر ووقفه يشتمل على وقف الملك المنصور قلاون الكبير الاصلي ووقف ولده الملك الناصر محمد ووقف بن الناصر أبي الفدا اسمعيل بل وغير ذلك من مرتبات الملوك من أولادهم ثم أنه وجد دفترا من دفاتر الشطب المستجدة عند بعض المباشرين وذلك بعد الفحص والتفتيش فاستدل به على بعض الجهات المحتكرة
وللمترجم عمائر كثيرة وقناطر وجسور في بلاد الارياف وبلاد الحجاز حين كان مجاورا هناك
وبنى القناطر بطندتا في الطريق الموصلة الى محلة مرحوم والقنطرة الجديدة الموصلة الى حارة عابدين من ناحية الخلوتي على الخليج وقنطرة بناحية الموسكى ورتب للعميان الفقراء الاكسية الصوف المسماة بالزعابيط فيفرق عليهم جملة كثيرة من ذلك عند دخول الشتاء في كل سنة فيأتون الى داره أفواجا في أيام معلومة ويعودون مسرورين بتلك الكساوى وكذلك المؤذنون يفرق عليهم جملة من الاجرامات الطولونية يرتدون بها وقت التسبيح في ليالي الشتاء وكذلك يفرق جملة من الحبر المحلاوى والبر الصعيدى والملايات والاخفاف والبوابيج القيصرلي على النساء الفقيرات والارامل ويخرج عند بيته في ليالي رمضان وقت الافطار عدة من القصاع الكبار المملوءة بالثريد المسقي بمرق اللحم والسمن للفقراء المجتمعين ويفرق عليهم النقيب هبر اللحم النضيج فيعطى لكل فقير جعله وحصته في يده وعندما يفرغون من الاكل يعطى لكل واحد منهم رغيفين ونصفي فضة برسم سحوره الى غير ذلك
ومن عمائره القصر الكبير المعروف به بشاطىء النيل فيما بين بولاق ومصر القديمة وكان قصرا عظيما من الابنية الملوكية وقد هدم في سنة 1205 بيد الشيخ علي بن حسن مباشرا لوقف وبيعت أنقاضه وأخشابه ومات المباشر المذكور بعد ذلك بنحو ثلاثة أشهر
ومن عمائره أيضا دار سكنه بحارة عابدين وكانت من الدور العظيمة المحكمة الوضع والاتقان لا يماثلها دار بمصر في حسنها وزخرفة مجالسها وما بها من النقوش والرخام والقيشاني والذهب المموه واللازورد وأنواع الاصباغ وبديع الصنعة والتأنق والبهجة وغرس بها بستانا بديعا بداخله قاعة متسعة مربعة الاركان بوسطها فسقية مفروشة بالرخام البديع الصنعة وأركانها مركبة على أعمدة من الرخام الابيض وغير ذلك من العمارات حتى اشتهر ذكره بذلك وسمى بصاحب الخيرات والعمائر في مصر والشام والروم وعدة المساجد التي أنشأها وجددها وأقيمت فيها الخطبة والجمعة والجماعة ثمانية عشر مسجدا وذلك خلاف الزوايا والاسبلة والسقايات والمكاتب والاحواض والقناطر والمربوط للنساء الفقيرات والمنقطعات
وكان له في هندسة الابنية وحسن وضع العمائر ملكة يقتدر بها على ما يروعه من الوضع من غير مباشرة ولا مشاهدة
ولو لم يكن له من المآثر الا ما أنشأ بالجامع الازهر من الزيادة والعمارة التي تقصر عنها همم الملوك لكفاه ذلك وأيضا المشهد الحسيني ومسجده والزيني والنفيسي وضم لوقفه ثلاث قرى من بلاد الارز بناحية رشيد وهي تفينة وديبي وحصة كتامة وجعل ايرادها وما يتحصل من غلة أرزها لمصارف الخيرات وطعام الفقراء والمنقطعين وزاد في طعام المجاورين بالازهر ومطبخهم الهريسة في يومي الاثنين والخميس وقد تعطل غالب ذلك في هذا التاريخ الذى نحن فيه لغاية سنة 1220 بسبب استيلاء الخراب وتوالي المحن وتعطل الاسباب
ولم يزل هذا شأنه الى ان استفحل أمر علي بك وأخرجه منفيا الى الحجاز وذلك في أوائل شهر القعدة 1178 فأقام بالحجاز اثنتي عشرة سنة فلما سافر يوسف بك أميرا بالحاج في السنة الماضية صمم على احضاره صحبته الى مصر فأحضره في تختروان وذلك في سابع شهر صفر سنة 1190 وقد استولى عليه العي والهرم وكرب الغربة فدخل الى بيته مريضا فأقام احد عشر يوما ومات فغسلوه وكفنوه وخرجوا بجنازته في مشهد حافل حضره العلماء والامراء والتجار ومؤذنو المساجد وأولاد المكاتب التي أنشأها ورتب لهم فيها الكساوى والمعاليم في كل سنة وصلوا عليه بالازهر ودفن بمدفنه الذى أعده لنفسه بالازهر عند الباب القبلي ولم يخلف بعده مثله رحمه الله
ومن مساويه قبول الرشا والتحيل على مصادرة بعض الاغنياء في اموالهم واقتدى به في ذلك غيره حتى صارت سنة مقررة وطريقة مسلوكة ليست منكرة وكذلك المصالحة على تركات الاغنياء التي لها وارث ومن سيآته العظيمة التي طار شررها وتضاعف ضررها وعم الاقليم خرابها وتعدى إلى جميع الدنيا هبابها معاضدته لعلي بك ليقوى به على أرباب الرئاسة فلم يزل يلقي بينهم الفتن ويغرى بعضهم على بعض ويسلط عليهم علي بك المذكور حتى أضعف شوكات الاقوياء وأكد العداوة بين الاصفياء واشتد ساعد علي بك فعند ذلك التفت اليه وكلب بنابه عليه واخرجه من مصر وأبعده عن وطنه فلم يجد عند ذلك من يدافع عنه وأقام هذه المدة في مكة غريبا وحيدا وأخرج أيضا في اليوم الذي أخرجه فيه نيفا وعشرين اميرا من الاختيارية كما تقدم
فعند ذلك خلا لعلي بك وخشداشينه الجو فماضوا وأفرخوا وامتد شرهم الى الآن الذي نحن فيه كما سيتلى عليك بعضه فهو الذي كان السبب بتقدير الله تعالى في ظهور أمرهم فلو لم يكن له من المساوىء الا هذه لكفاه ولما رجع من الحجاز متمرضا ذهب اليه ابراهيم بك ومراد بك وباقي خشداشينهم ليعودوه ولم يكن رآهم قبل ذلك فكان من وصيته لهم كونوا مع بعضكم واضبطوا أمركم ولا تداخلوا الاعادى بينكم
وهذا بدل عن قوله أوصيكم بتقوى الله تعالى وتجنبوا الظلم وافعلوا الخير فان الدنيا زائلة وانظروا حالي ومالي أو نحو ذلك هكذا أخبرني من كان حاضرا في ذلك الوقت وكان سليط اللسان ويتصنع الحماقة فغفر الله لنا وله رأيته مرة وانا اذ ذاك في سن التمييز قبل ان ينفي الى الحجاز وهو ماش في جنازة مربوع القامة أبيض اللون مسترسل اللحية ويغلب عليها البياض مترفها في ملبسه معجبا بنفسه يشار اليه بالبنان


عجائب الآثار في التراجم والأخبار
المؤلف : عبد الرحمن بن حسن الجبرتي
مجلة نافذة ثقافية ـ البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو السبت 23 يونيو - 11:51