أحداث سنة خمس وستين

avatar
توتة
Admin

عدد المساهمات : 1210
تاريخ التسجيل : 13/02/2014

أحداث سنة خمس وستين Empty أحداث سنة خمس وستين

مُساهمة من طرف توتة في الأحد 5 مايو - 13:34

أحداث سنة خمس وستين Alathe10

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
أحوال البلاد وأخبار العباد
أحداث سنة خمس وستين
أحداث سنة خمس وستين 1410
● [ ثم دخلت سنة خمس وستين ] ●
ذكر مسير التوابين وقتلهم

لما أراد سليمان بن صرد الخزاعي الشخوص سنة خمس وستين بعث إلى رؤوس أصحابه فأتوه، فلما أهل ربيع الآخر خرج في وجوه أصحابه، وكانوا تواعدوا للخروج تلك الليلة، فلما أتى النخيلة دار في الناس فلم يعجبه عددهم، فأرسل حكيم بن منقذ الكندي والوليد بن عصير الكناني، فناديا في الكوفة: يا لثارات الحسين! فكانا أول خلق الله دعوا: يا لثارات الحسين.
فأصبح من الغد وقد أتاه نحو مما في عسكره، ثم نظر في ديوانه فوجدهم ستة عشر ألفاً ممن بايعه، فقال: سبحان الله! ما وافانا من ستة عشر ألفاً إلا أربعة آلاف. فقيل له: إن المختار يثبط الناس عنك، إنه قد تبعه ألفان. فقال: قد بقي عشرة آلاف، أما هؤلاء بمؤمنين؟ أما يذكرون الله والعهود والمواثيق؟ فأقام بالنخيلة ثلاثاً يبعث إلى من تخلف عنه، فخرج إليه نحو من ألف رجل. فقام إليه المسيب بن نجبة فقال: رحمك الله! إنه لا ينفعك الكاره ولا يقاتل معك إلا من أخرجته النية، فلا تنتظر أحداً وجد في أمرك. قال: نعم ما رأيت.
ثم قام سليمان في أصحابه فقال: أيها الناس من كان خرج يريد بخروجه وجه الله والآخرة فذلك منا ونحن منه فرحمة الله عليه حياً وميتاً، ومن كان إنما يريد الدنيا فوالله ما نأتي فيئاً نأخذه وغنيمة نغنمها ما خلا رضوان الله، وما معنا من ذهب ولا فضة ولا متاع، وما هو إلا سيوفنا على عواتقنا، وزادٌ قدر البلغة، فمن كان ينوي غير هذا فلا يصحبنا. فتنادى أصحاب من كل جانب: إنا لا نطلب الدنيا وليس لها خرجنا إنما خرجنا نطلب التوبة والطلب بدم ابن بنت رسول الله نبينا صلى الله عليه وسلم.
فلما عزم سليمان على المسير قال له عبد الله بن سعد بن نفيل: إني قد رأيت رأياً إن يكن صواباً فالله الموفق، وإن يكن ليس صواباً فمن قبلي؛ إنا خرجنا نطلب بدم الحسين، وقتلته كلهم بالكوفة، منهم عمر بن سعد ورؤوس الأرباع والقبائل، فأين نذهب ها هنا وندع الأوتار؟ فقال أصحابه كلهم: هذا هو الرأي.
فقال سليمان: لكن أنا لا أرى ذلك، إن الذي قتله وعبأ الجنود إليه وقال لا أمان له عندي دون أن يستسلم فأمضي فيه حكمي، هذا الفاسق ابن الفاسق عبيد الله بن زياد، فسيروا إليه على بركة الله فإن يظهركم الله عليه رجونا أن يكون من بعده أهون علينا منه، ورجونا أن يدين لكم أهل مصركم في عافية فينظرون إلى كل من شرك في دم الحسين فيقتلونه ولا يفشوا، وإن تستشهدوا فإنما قاتلتم المحلين، وما عند الله خير للأبرار، إني لا أحب أن تجعلوا جدكم بغير المحلين، ولو قاتلتم أهل مصركم ما عدم رجل أن يرى رجلاً قد قتل أخاه وأباه وحميمه ورجلاً يريد قتله، فاستخيروا الله وسيروا.
وبلغ عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة خروج ابن صرد، فأتياه في أشراف أهل الكوفة ولم يصحبهم من شرك في دم الحسين خوفاً منه، وكان عمر بن سعد تلك الأيام يبيت في قصر الإمارة خوفاً منهم. فلما أتياه قال عبد الله بن يزيد: إن المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يغشه، وأنتم إخواننا وأهل بلدنا وأحب أهل مصر خلقه الله إلينا، فلا تفجعونا بأنفسكم ولا تنقصوا عددنا بخروجكم من جماعتنا، أقيموا معنا حتى نتهيأ، فإذا سار عدونا إلينا خرجنا إليه بجماعتنا فقاتلناه.
وجعل لسليمان وأصحابه خراج جوخي إن أقاموا. وقال إبراهيم بن محمد مثله؛ فقال سليمان لهما: قد محضتما النصيحة واجتهدتما في المشورة، فنحن بالله وله، ونسأل الله العزيمة على الرشد ولا نرانا إلا سائرين. فقال عبد الله: فأقيموا حتى نعبي معكم جريداً كثيفاً فتلقوا عدوكم بجمع كثيف. وكان قد بلغهم إقبال عبيد بن زياد من الشام في جنود. فلم يقم سليمان، فسار عشية الجمعة لخمس مضين من ربيع الآخر سنة خمس وستين، فوصل دار الأهواز وقد تخلف عنه ناس كثير، فقال: ما أحب أن تتخلفوا ولو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً، إن الله كره انبعاثكم فثبطهم واختصكم بفضل ذلك.
ثم ساروا فانتهوا إلى قبر الحسين، فلما وصلوا صاحوا صيحةً واحدة، فما رئي أكثر باكياً من ذلك اليوم، فترحموا عليه وتابوا عنده من خذلانه وترك القتال معه وأقاموا عنده يوماً وليلة يبكون ويتضرعون ويترحمون عليه وعلى أصحابه، وكان من قولهم عند ضريحه: اللهم ارحم حسيناً الشهيد ابن الشهيد، المهدي ابن المهدي، الصديق ابن الصديق، اللهم إنا نشهدك أنا على دينهم وسبيلهم وأعداء قاتليهم وأولياء محبيهم، اللهم إنا خذلنا ابن بنت نبينا، صلى الله عليه وسلم، فاغفر لنا ما مضى منا وتب علينا وارحم حسيناً وأصحابه الشهداء الصديقين، وإنا نشهدك أنا على دينهم وعلى ما قتلوا عليه، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين! وزادهم النظر إليه حنقاً.
ثم ساروا بعد أن كان الرجل يعود إلى ضريحه كالمودع له، فازدحم الناس عليه أكثر من ازدحامهم على الحجر الأسود، ثم أخذوا على الأنبار، وكتب إليهم عبد الله بن يزيد كتاباً، منه: يا قومنا لا تطيعوا عدوكم، أنتم في أهل بلادكم خيار كلكم، ومتى يصبكم عدوكم يعلموا أنكم أعلام مصركم فيطمعهم ذلك فيمن وراءكم، يا قومنا (إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذاً ابداً) الكهف: 20، يا قوم إن أيدينا وأيدكم واحدة وعدونا وعدوكم واحد ومتى تجتمع كلمتنا على عدونا نظهر على عدونا ومتى تختلف تهن شوكتنا على من خالفنا، يا قومنا لا تستغشوا نصحي ولا تخالفوا أمري وأقبلوا حين يقرأ كتابي عليكم. والسلام.
فقال سليمان وأصحابه: قد أتانا هذا ونحن في مصرنا، فحين وطأنا أنفسنا على الجهاد ودنونا من أرض عدونا، ما هذا برأي. فكتب إليه سليمان يشكره ويثني عليه ويقول: إن القوم قد استبشروا ببيعهم أنفسهم من ربهم، وإنهم قد تابوا من عظيم ذنبهم وتوجهوا إلى الله وتوكلوا عليه ورضوا بما قضى الله عليهم.
فلما جاء الكتاب إلى عبد الله قال: استمات القوم، أول خبر يأتيكم عنهم قتلهم، والله ليقتلن كراماً مسلمين.
ثم ساروا حتى انتهوا إلى قرقيسيا على تعبية، وبها زفر بن الحارث الكلابي قد تحصن بها منهم ولم يخرج إليهم، فأرسل إليه المسيب بن نجبة يطلب إليه أن يخرج إليه سوقاً، فأتى المسيب إلى باب قرقيسيا فعرفهم نفسه وطلب الإذن على زفر، فأتى هذيل بن زفر أباه فقال: هذا رجل حسن الهيئة اسمه المسيب بن نجبة يستأذن عليك. فقال أبوه: أما تدري يا بني من هذا؟ هذا فارس مضر الحمراء كلها، إذا عد من أشرافها عشرة كان أحدهم هو، وهو بعد رجل ناسك له دين، إيذن له. فأذن له، فلما دخل عليه أجلسه إلى جانبه وسأله، فعرفه المسيب حاله وما عزموا عليه، فقال زفر: إنا لم نغلق أبواب المدينة إلا لنعلم إيانا تريدون أم غيرنا، وما بنا عجز عن الناس وما نحب قتالكم، وقد بلغنا عنكم صلاح وسيرة جميلة.
ثم أمر ابنه فأخرج لهم سوقاً، وأمر للمسيب بألف درهم وفرس، فرد المال وأخذ الفرس وقال: لعلي أحتاج إليه إن عرج فرسي. وبعث زفر إليهم بخبز كثير وعلف ودقيق حتى استغنى الناس عن السوق، إلا إن كان الرجل يشتري سوطاً أو ثوباً.
ثم ارتحلوا من الغد، وخرج إليهم زفر يشيعهم وقال لسليمان: إنه قد سار خمسة أمراء من الرقة هم الحصين بن نمير وشرحبيل بن ذي الكلاع وأدهم بن محرز وجبلة بن عبد الله الخثعمي وعبيد الله بن زياد في عدد كثير مثل الشوك والشجر، فإن شئتم دخلتم مدينتنا وكانت أيدينا واحدة، فإذا جاءنا هذا العدو قاتلناهم جميعاً. فقال سليمان: قد طلب أهل مصرنا ذلك منا فأبينا عليهم.
قال زفر: فبادروهم إلى عين الوردة وهي رأس عين فاجعلوا المدينة في ظهوركم ويكون الرستاق والماء والمادة في أيديكم وما بيننا وبينكم فأنتم آمنون منه، فاطووا المنازل، فوالله ما رأيت جماعةً قط أكرم منكم، فإني أرجو أن تسبقوهم، وإن قاتلتموهم فلا تقاتلوهم في فضاء ترامونهم وتطاعنونهم فإنهم أكثر منكم، ولا آمن أن يحيطوا بكم، فلا تقفوا لهم فيصرعوكم، ولا تصفوا لهم، فإني لا أرى معكم رجالة ومعهم الرجالة والفرسان بعضهم يحمي بعضاً، ولكن القوهم في الكتائب والمقانب ثم بثوها فيما بين ميمنتهم وميسرتهم واجعلوا مع كل كتيبة أخرى إلى جانبها، فإن حمل على إحدى الكتيبتين رحلت الأخرى فنفست عنها، ومتى شاءت كتيبة ارتفعت، ومتى شاءت كتيبة انحطت، ولو كنتم صفاً واحداً فزحفت إليكم الرجالة فدفعتم عن الصف انتقض فكانت الهزيمة. ثم ودعهم ودعا لهم ودعوا له وأثنوا عليه.
ثم ساروا مجدين فانتهوا إلى عين الوردة فنزلوا غربيها وأقاموا خمساً فاستراحوا وأراحوا.
وأقبل أهل الشام في عساكرهم حتى كانوا من عين الوردة على مسيرة يوم وليلة، فقام سليمان في أصحابه وذكر الآخرة ورغب فيها ثم قال: أما بعد فقد أتاكم عدوكم الذي دأبتم إليه في السير آناء الليل والنهار، فإذا لقيتموهم فاصدقوهم القتال واصبروا إن الله مع الصابرين، ولا يولينهم امرءٌ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة، ولا تقتلوا مدبراً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تقتلوا أسيراً من أهل دعوتكم إلا أن يقاتلكم بعد أن تأسروه، فإن هذه كانت سيرة علي في أهل هذه الدعوة.
ثم قال: إن أنا قتلت فأمير الناس مسيب بن نجبة، فإن قتل فالأمير عبد الله بن سعد بن نفيل، فإنقتل فالأمير عبد الله بن وال، فإن قتل فالأمير رفاعة بن شداد، رحم الله امرأً صدق ما عاهد الله عليه.
ثم بعث المسيب في أربعمائة فارس ثم قال: سر حتى تلقى أول عساكرهم فشن عليهم الغارة، فإن رأيت ما تحبه وإلا رجعت، وإياك أن تترك واحداً من أصحابك أو يستقبل آخر ذلك، حتى لا تجد منه بداً. فسار يومه وليلته ثم نزل السحر. فلما أصبحوا أرسل أصحابه في الجهات ليأتوه بمن يلقون، فأتوه بأعرابي، فسأله عن أدنى العساكر منه، فقال: أدنى عسكر من عساكرهم منك عسكر شرحبيل بن ذي الكلاع، وهو منك على رأس ميل، وقد اختلف هو والحصين، ادعى الحصين أنه على الجماعة وأبى شرحبيل ذلك، وهما ينتظران أمر ابن زياد.
فسار المسيب ومن معه مسرعين فأشرفوا عليهم وهم غارون، فحملوا في جانب عسكرهم، فانهزم العسكر وأصاب المسيب منهم رجالاً، فأكثروا فيهم الجراح وأخذوا الدواب، وخلى الشاميون عسكرهم وانهزموا، فغنم منه أصحاب المسيب ما أرادوا ثم انصرفوا إلى سليمان موفورين.
وبلغ الخبر ابن زياد فسرح الحصين بن نمير مسرعاً حتى نزل في اثني عشرة ألفاً، فخرج أصحاب سليمان إليه لأربع بقين من جمادى الأولى، وعلى ميمنتهم عبد الله بن سعد، وعلى ميسرتهم المسيب بن نجبة، وسليمان في القلب، وجعل الحصين على ميمنته جبلة بن عبد الله، وعلى ميسرته ربيعة بن المخارق الغنوي، فلما دنا بعضهم من بعض دعاهم أهل الشام إلى الجماعة على عبد الملك بن مروان، ودعاهم أصحاب سليمان إلى خلع عبد الملك وتسليم عبيد الله بن زياد إليهم وأنهم يخرجون من بالعراق من أصحاب ابن الزبير ثم يرد الأمر إلى أهل بيت النبي، صلى الله عليه وسلم، فأبى كل منهم، فحملت ميمنة سليمان على ميسرة الحصين، والميسرة أيضاً على الميمنة، وحمل سليمان في القلب على جماعتهم، فانهزم أهل الشام إلى عسكرهم، وما زال الظفر لأصحاب سليمان إلى أن حجز بينهم الليل.
فلما كان الغد صبح الحصين جيش مع ابن ذي الكلاع ثمانية آلاف، أمدهم بهم عبيد الله بن زياد، وخرج أصحاب سليمان فقاتلوهم قتالاً لم يكن أشد منه جميع النهار لم يحجز بينهم إلا الصلاة، فلما أمسوا تحاجزوا وقد كثرت الجراح في الفريقين، وطاف القصاص على أصحاب سليمان يحرضونهم.
فلما أصبح أهل الشام أتاهم أدهم بن محرز الباهلي في نحو من عشرة آلاف من ابن زياد، فاقتتلوا يوم الجمعة قتالاً شديداً إلى ارتفاع الضحى، ثم إن أهل الشام كثروهم وتعطفوا عليهم من كل جانب، ورأى سليمان ما لقي أصحابه، فنزل ونادى: عباد الله من أراد البكور إلى ربه والتوبة من ذنبه فإلي! ثم كسر جفنة سيفه ونزل معه ناس كثير وكسروا جفون سيوفهم ومشوا معه، فقاتلوهم، فقتل من أهل الشام مقتلة عظيمة وجرحوا فيهم فأكثروا الجراح. فلما رأى الحصين صبرهم وبأسهم بعث الرجالة ترميهم بالنبل واكتنفتهم الخيل والرجال، فقتل سليمان، رحمه الله، رماه يزيد بن الحصين بسهم فوقع ثم وثب ثم وقع.
فلما قتل سليمان أخذ الراية المسيب بن نجبة وترحم على سليمان ثم تقدم فقاتل بها ساعةً ثم رجع ثم حمل، فعل ذلك مراراً، ثم قتل، رحمه الله، بعد أن قتل رجالاً.
فلما قتل أخذ الراية عبد الله بن سعد بن نفيل وترحم عليهما، ثم قرأ: (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً) الأحزاب: 23. وحف به من كان معه من الأزد. فبينما هم في القتال أتاهم فرسانٌ ثلاثة من سعد بن حذيفة يخبرون بمسيرهم في سبعين ومائة من أهل المدائن ويخبرون أيضاً بمسير أهل البصرة مع المثنى بن مخربة العبدي في ثلاثمائة، فسر الناس فقال عبد الله بن سعد: ذلك لو جاؤونا ونحن أحياء.
فلما نظر الرسل إلى مصارع إخوانهم ساءهم ذلك واسترجعوا وقاتلوا معهم، وقتل عبد الله بن سعد بن نفيل، قتله ابن أخي ربيعة بن مخارق، وحمل خالد بن سعد بن نفيل على قاتل أخيه فطعنه بالسيف، واعتنقه الآخر فحمل أصحابه عليه فخلصوه بكثرتهم وقتلوا خالداً، وبقيت الراية ليس عندها أحد، فنادوا عبد الله بن والٍ فإذا هو قد اصطلى الحرب في عصابة معه، فحمل رفاعة بن شداد فكشف أهل الشام عنه، فأتى فأخذ الراية وقاتل ملياً ثم قال لأصحابه: من أراد الحياة التي ليس بعدها موت والراحة التي ليس بعدها نصب، والسرور الذي ليس بعده حزن، فليتقرب إلى الله بقتال هؤلاء المحلين، والرواح إلى الجنة، وذلك عند العصر، فحمل هو وأصحابه فقتلوا رجالاً وكشفوهم.
ثم إن أهل الشام تعطفوا عليهم من كل جانب حتى ردوهم إلى المكان الذي كانوا فيه، وكان مكانهم لا يؤتى إلا من وجه واحد، فلما كان المساء تولى قتالهم أدهم بن محرز الباهلي فحمل عليهم في خيله ورجله، فوصل ابن محرز إلى ابن والٍ وهو يتلو: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً) آل عمران: 169 الآية؛ فغاظ ذلك أدهم بن محرز فحمل عليه فضرب يده فأبانها ثم تنحى عنه وقال: إني أظنك وددت أنك عند أهلك. قال ابن وال: بئس ما ظننت، والله ما أحب أن يدك مكانها إلا أن يكون لي من الأجر مثل ما في يدي ليعظم وزرك ويعظم أجري. فغاظه ذلك أيضاً، فحمل عليه وطعنه فقتله وهو مقبل ما يزول. وكان ابن وال من الفقهاء العباد.
فلما قتل أتوا رفاعة بن شداد البجلي وقالوا: لتأخذ الراية. فقال: ارجعوا بنا لعل الله يجمعنا ليوم شرهم. فقال له عبد الله بن عوف بن الأحمر: هلكنا والله، لئن انصرفت ليركبن أكتافنا فلا نبلغ فرسخاً حتى نهلك عن آخرنا، وإن نجا منا ناجٍ أخذته العرب يتقربون به إليهم فقتل صبراً، هذه الشمس قد قاربت الغروب فنقاتلهم على خيلنا، فإذا غسق الليل ركبنا خيولنا أول الليل وسرنا حتى نصبح ونسير على مهل ويحمل الرجل صاحبه وجريحه ونعرف الوجه الذي نأخذه. فقال رفاعة: نعم ما رأيت! وأخذ الراية وقاتلهم قتالاً شديداً، ورام أهل الشام أهلاكهم قبل الليل فلم يصلوا إلى ذلك لشدة قتالهم، وتقدم عبد الله بن عزيز الكناني فقاتل أهل الشام ومعه ولده محمد وهو صغير، فنادى بني كنانة من أهل الشام وسلم ولده إليهم ليوصلوه إلى الكوفة، فعرضوا عليه الأمان، فأبى ثم قاتلهم حتى قتل.
وتقدم كرب بن يزيد الحميري عند المساء في مائة من أصحابه فقاتلهم أشد قتال، فعرض عليه وعلى أصحابه ابن ذي الكلاع الحميري الأمان، قال: قد كنا آمنين في الدنيا وإنما خرجنا نطلب أمان الآخرة. فقاتلوهم حتى قتلوا. وتقدم صخر بن هلال المزني في ثلاثين من مزينة فقاتلوا حتى قتلوا.
فلما أمسوا رجع أهل الشام إلى معسكرهم، ونظر رفاعة إلى كل رجل قد عقر به فرسه وجرح فدفعه إلى قومه ثم سار ليلته، وأصبح الحصين ليلتقيهم فلم يرهم، فلم يبعث في آثارهم، وساروا حتى أتوا قرقيسيا، فعرض عليهم زفر الإقامة، فأقاموا ثلاثاً، فأضافهم ثم زودهم وساروا إلى الكوفة.
ثم أقبل سعد بن حذيفة بن اليمان في أهل المدائن فبلغ هيت، فأتاه الخبر، فرجع فلقي المثنى بن مخربة العبدي في أهل البصرة بصندوداء فأخبره، فأقاموا حتى أتاهم رفاعة فاستقبلوه، وبكى بعضهم إلى بعض وأقاموا يوماً وليلة ثم تفرقوا، فسار كل طائفة إلى بلدهم.
ولما بلغ رفاعة الكوفة كان المختار محبوساً، فأرسل إليه: أما بعد فمرحباً بالعصبة الذين عظم الله لهم الأجر حين انصرفوا ورضي فعله حين قتلوا، أما ورب البيت ما خطا خاطٍ منكم خطوةً ولا ربا ربوة إلا كان ثواب الله له أعظم من الدنيا! إن سليمان قد قضى ما عليه وتوفاه الله وجعل وجهه مع أرواح النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولم يكن بصاحبكم الذي به تنصرون، إني أنا الأمير المأمور، والأمين المأمون، وقاتل الجبارين، والمنتقم من أعداء الدين، المقيد من الأوتار، فأعدوا واستعدوا وأبشروا، أدعوكم إلى كتاب الله، وسنة نبيه، والطلب بدم أهل البيت، والدفع عن الضعفاء، وجهال المحلين، والسلام.
وكان قتل سليمان ومن معه في شهر ربيع الآخر.
ولما سمع عبد الملك بن مروان بقتل سليمان وانهزام أصحابه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد فإن الله قد أهلك من رؤوس أهل العراق ملقح فتنةٍ ورأس ضلالةٍ سليمان بن صرد، ألا وإن السيوف تركن رأس المسيب خذاريف، وقد قتل الله منهم رأسين عظيمين ضالين مضلين: عبد الله بن سعد الأزدي، وعبد الله بن والٍ البكري، ولم يبق بعدهم من عنده امتناع وفي هذا نظر فإن أباه كان حياً قال أعشى همدان في ذلك، وهي مما يكتم ذلك الزمان:
ألم خيالٌ منك يا أم غالب ... فحييت عنا من حبيب مجانب
وما زلت في شجوٍ وما زلت مقصداً ... لهم غير أني من فراقك ناصب
فما أنس لا أنس انفتالك في الضحى ... إلينا مع البيض الحسان الخراعب
تراءت لنا هيفاء مهضومة الحشا ... لطيفة طي الكشح ريا الحقائب
مشيكة غزار ودسى بهائها ... كشمس الضحى تنكل بين السحائب
فلما تغشاها السحاب وحوله ... بدا حاجبٌ منها وضنت بجانب
فتلك الهوى وهي الجوى لي والمنى ... فأحبب بها من خلةٍ لم تصاقب
ولا يبعد الله الشباب وذكره ... وحب تصافي المعصرات الكواعب
ويزداد ما أحببته من عتابنا ... لعاباً وسقياً للخدين المقارب
فإني وإن لم أنسهن لذاكرٌ ... رؤية مخبأة كريم المناصب
توسل بالتقوى إلى الله صادقاً ... وتقوى الإله خير تكساب كاسب
وخلى عن الدنيا فلم يلتبس بها ... وتاب إلى الله الرفيع المراتب
تخلى عن الدنيا وقال اطرحتها ... فلست إليها ما حييت بآيب
وما أنا فيما يكره الناس فقده ... ويسعى له الساعون فيها براغب
فوجهه نحو الثوية سائراً ... إلى ابن زيادٍ في الجموع الكتائب
بقومٍ هم أهل التقية والنهى ... مصاليت أنجادٌ سراة مناجب
مضوا تاركي رأي ابن طلحة حسبةً ... ولم يستجيبوا للأمير المخاطب
فساروا وهم ما بين ملتمس التقى ... وآخر مما جر بالأمس تائب
فلاقوا بعين الوردة الجيش ناضلا ... إليهم فحسوهم ببيضٍ قواضب
يمانيةٍ تذري الأكف وتارةً ... بخيلٍ عتاقٍ مقرباتٍ سلاهب
فجاءهم جمعٌ من الشام بعده ... جموعٌ كموج البحر من كل جانب
فما برحوا حتى أبيدت سراتهم ... فلم ينج منهم ثم غير عصائب
وغودر أهل الصبر صرعى فأصبحوا ... تعاورهم ريح الصبا والجنائب
فأضحى الخزاعي الرئيس مجدلاً ... كأن لم يقاتل مرةً ويحارب
ورأس بني شمخٍ وفارس قومه ... شنوءة والتيمي هادي الكتائب
وعمرو بن بشرٍ والوليد وخالدٌ ... وزيد بن بكرٍ والحليس بن غالب
وضارب من همدان كل مشيع ... إذا شد لم ينكل كريم المكاسب
ومن كل قومٍ قد أصبت زعيمهم ... وذو حسبٍ في ذروة المجد ثاقب
أبوا غير ضربٍ يفلق الهام وقعه ... وطعنٍ بأطراف الأسنة صائب
وإن سعيداً يوم يدمر عامراً ... لأشجع من ليثٍ بدربٍ مواثب
فيا خير جيشٍ بالعراق وأهله ... سقيتم روايا كل أسحم ساكب
فلا يبعدن فرساننا وحماتنا ... إذا البيض أبدت عن خدام الكواعب
وما قتلوا حتى أثاروا عصابةً ... محلين نوراً كالشموس الضوارب
وقيل: قتل سليمان ومن معه في شهر ربيع الآخر.
الخزاعي الذي هو في هذا الشعر هو سليمان بن صرد الخزاعي. ورأس بني شمخ هو المسيب بن نجبة الفزاري. ورأس شنوءة هو عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي أزد شنوءة. والتيمي هو عبد الله ابن والٍ التيمي من تيم اللات بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. والوليد هو ابن عصير الكناني. وخالد هو خالد بن سعد بن نفيل أخو عبد الله.
نجبة بالنون، والجيم، والباء الموحدة المفتوحات.
● [ ذكر بيعة عبد الملك وعبد العزيز ] ●
ابني مروان بولاية العهد

في هذه السنة أمر مروان بن الحكم بالبيعة لابنيه عبد الملك وعبد العزيز.
وكان السبب في ذلك أن عمرو بن سعيد بن العاص لما هزم مصعب بن الزبير حين وجهه أخوه عبد الله إلى فلسطين رجع إلى مروان وهو بدمشق قد غلب على الشام ومصر، فبلغ مروان أن عمراً يقول: إن الأمر لي بعد مروان، فدعا مروان حسان بن مالك بن بحدل فأخبره أنه يريد أن يبايع لابنيه عبد الملك وعبد العزيز وأخبره بما بلغه عن عمرو، فقال: أنا أكفيك عمراً، فلما اجتمع الناس عند مروان عشياً قام حسان فقال: إنه قد بلغنا أن رجالاً يتمنون أماني، قوموا فبايعوالعبد الملك وعبد العزيز من بعده، فبايعوا عن آخرهم.
● [ ذكر بعث ابن زياد وحبيش ] ●

في هذه السنة سير مروان بن الحكم بعثين: أحدهما مع عبيد الله بن زياد إلى الجزيرة ومحاربة زفر بن الحارث بقرقيسيا واستعمله على كل ما يفتحه، فإذا فرغ من الجزيرة توجه لقصد العراق وأخذه من ابن الزبير، فلما كان بالجزيرة بلغه موت مروان وأتاه كتاب عبد الملك بن مروان يستعمله على ما استعمله عليه أبوه ويحثه على المسير إلى العراق.
والبعث الآخر إلى المدينة مع حبيش بن دلجة القيني، فسار بهم حتى انتهى إلى المدينة وعليها جابر بن الأسود بن عوف ابن أخي عبد الرحمن بن عوف من قبل ابن الزبير، فهرب منه جابر.
ثم إن الحارث بن أبي ربيعة، وهو أخو عمرو بن أبي ربيعة، وجه جيشاً من البصرة، وكان والياً عليها، لابن الزبير وجعل عليهم الحنيف بن السجف التيمي لحرب حبيش، فلما سمع بهم حبيش سار إليهم من المدينة، وأرسل عبد الله بن الزبير العباس بن سهل بن سعد الساعدي إلى المدينة أميراً وأمره أن يسير في طلب حبيش حتى يوافي الجند من أهل البصرة الذين عليهم الحنيف، فأقبل عباس في آثارهم حتى لحقهم بالربذة، فقاتلهم حبيش، فرماه يزيد بن سنان بسهم فقتله، وكان معه يومئذٍ يوسف بن الحكم وابنه الحجاج، وهما على جمل واحد، وانهزم أصحابه، فتحرز منهم خمسمائة بالمدينة، فقال العباس بن سهل: انزلوا على حكمي، فنزلوا، فقتلهم، ورجع فل حبيش إلى الشام، ولما دخل يزيد بن سنان المدينة كان عليه ثياب بيض فاسودت مما مسحه الناس ومما صبوا عليه من الطيب.
● [ ذكر موت مروان بن الحكم ] ●
وولاية ابنه عبد الملك

في شهر رمضان من هذه السنة مات مروان بن الحكم.
وكان سبب موته أن معاوية بن يزيد لما حضرته الوفاة لم يستخلف أحداً، وكان حسان بن بحدل يريد أن يجعل الأمر من بعده في أخيه خالد بن يزيد، وكان صغيراً، وحسان خال أبيه يزيد، فبايع حسان مروان بن الحكم وهو يريد أن يجعل الأمر بعده لخالد، فلما بايعه هو وأهل الشام قيل لمروان تزوج أم خالد، وهي بنت أبي هاشم بن عتبة، حتى يصغر شأنه فلا يطلب الخلافة، فتزوجها، فدخل خالد يوماً على مروان وعنده جماعة وهو يمشي بين صفين، فقال مروان: والله إنك لأحمق! تعال يا ابن الرطبة الاست! يقصر به ليسقطه من أعين أهل الشام.
فرجع خالد إلى أمه فأخبرها، فقالت له: لا يعلمن ذلك منك إلا أنا، أنا أكفيكه. فدخل عليها مروان فقال لها: هل قال لك خالد في شيئاً؟ قالت: لا، إنه أشد لك تعظيماً من أن يقول فيك شيئاً. فصدقها ومكث أياماً، ثم إن مروان نام عندها يوماً، فغطته بوسادة حتى قتلته، فمات بدمشق وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقيل: إحدى وستين. وأراد عبد الملك قتل أم خالد، فقيل له: يظهر عند الخلق أن امرأة قتلت أباك، فتركها.
ولما توفي مروان قام بأمر الشام بعده ابنه عبد الملك، وكان بمصر ابنه عبد العزيز بطاعة أخيه عبد الملك.
وكان عبد الملك ولد لسبعة أشهر، فكان الناس يذمونه لذلك، قيل: إنه اجتمع عنده قوم من الأشراف، فقال لعبيد الله بن زياد بن ظبيان البكري: بلغني أنك لا تشبه أباك، فقال: بلى والله إني لأشبه به من الماء بالماء والغرب بالغراب، ولكن إن شئت أخبرتك بمن لم تنضجه الأرحام، ولم يولد بالتمام، ولم يشبه الأخوال والأعمام. قال: من ذلك؟ قال: سويد بن منجوف، فلما خرج عبيد الله وسويد قال له سويد: ما سرني بمقالتك له حمر النعم. فقال عبيد الله: وما سرني والله باحتمالك إياي وسكوتك سودها.
● [ ذكر صفته ونسبه وأخباره ] ●

هو مروان بن الحكم بن أبي لحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، وأمه آمنة بنت علقمة بن صفوان بن أمية من كنانة، وكان مولده سنة اثنتين من الهجرة، وكان أبوه قد أسلم عام الفتح، ونفاه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى الطائف لأنه يتجسس عليه، ورآه النبي، صلى الله عليه وسلم، يوماً يمشي ويتخلج في مشيه كأنه يحكيه، فقال له: كن كذلك، فما زال كذلك حتى مات.
ولما توفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كلم عثمان أبا بكر في رده، لأنه عمه، فلم يفعل، فلما توفي أبو بكر وولي عمر كلمه أيضاً في رده فلم يفعل، فلما ولي عثمان رده وقال: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعدني أن يرده إلى المدينة، فكان ذلك مما أنكر الناس عليه.
وتوفي في خلافة عثمان فصلى عليه، وقد رويت أخبار كثيرة في لعنه ولعن من في صلبه، رواها الحافظ، في أسانيدها كلام.
وكان مروان قصيراً أحمر أوقص، يكنى أبا الحكم، وأبا عبد الملك، وأعتق في يوم واحد مائة رقبة، وولي المدينة لمعاوية مرات، فكان إذا ولي يبالغ في سب علي، وإذا عزل وولي سعيد بن العاص كف عنه، فسئل عنه محمد بن علي الباقر وعن سعيد، فقال: كان مروان خيراً لنا في السر، وسعيد خيراً لنا في العلانية.
وقد أخرج حديث مروان في الصحيح، وكان الحسن والحسين يصليان خلفه ولا يعيدان الصلاة. وهو أول من قدم الخطبة في صلاة العيد وقبل الصلاة.
ولما مات بويع لولده عبد الملك بن مروان في اليوم الذي مات فيه، وكان يقول له ولولده بنو الزرقاء، يقول ذلك من يريد ذمهم وعيبهم، وهي الزرقاء بنت موهب جدة مروان بن الحكم لأبيه، وكانت من ذوات الرايات التي يستدل بها على بيوت البغاء، فلهذا كانوا يذمون بها، ولعل هذا كان منها قبل أن يتزوجها أبو العاص بن أمية والد الحكم، فإنه كان من أشراف قريش، لا يكون هذا من امرأة وهي عنده، والله أعلم.
حبيش بن دلجة بضم الحاء المههملة، وفتح الباء الموحدة المفتوحة، ثم الياء المثناة من تحت، وآخره شين معجمة، ودلجة بفتح الدال واللام.
● [ ذكر مقتل نافع بن الأزرق ] ●

في هذه السنة اشتد شوكة نافع بن الأزرق، وهو الذي ينتسب إليه الأزارقة من الخوارج.
وكان سبب قوته اشتغال أهل البصرة واختلافهم بسبب مسعود بن عمرو وقتله، وكثرت جموعه وأقبل نحو الجسر، فبعث إليه عبد الله بن الحارث مسلم بن عبيس بن كريز بن ربيعة، فخرج إليه فرفعه عن أرض البصرة حتى بلغ دولاب من أرض الأهواز، فاقتتلوا هناك، وجعل مسلم بن عبيس على ميمنته الحجاج بن باب الحميري، وعلى ميسرته حارثة بن بدر الغداني، وجعل ابن الأزرق على ميمنته عبيدة بن هلال اليشكري، وعلى ميسرته الزبير بن الماحوز التميمي، واشتد قتالهم، فقتل مسلم أمير أهل البصرة، وقتل نافع بن الأزرق أمير الخوارج في جمادى الآخرة، فأمر أهل البصرة عليهم الحجاج بن باب الحميري، وأمرت الخوارج عبد الله بن الماحوز التميمي، واقتتلوا، فقتل عبد الله والحجاج فأمر أهل البصر عليهم ربيعة بن الأجرم التميمي، وأمرت الخوارج عبيد الله بن الماحوز التميمي، ثم عادوا فاقتتلوا حتى أمسوا وقد كره بعضهم بعضاً وملوا القتال.
فإنهم كذلك متواقفون متاجزون إذ جاءت الخوارج سريةٌ مستريحةٌ لم تشهد القتال، فحملت على الناس من ناحية عبد القيس، فانهزم الناس وقتل أمير أهل البصرة ربيعة بعد أن قتل أيضاً دغفل بن حنظلة الشيباني النسابة، وأخذ الراية حارثة بن يزيد، فقاتل ساعةً، وقد ذهب الناس عنه، فقاتل وحمى الناس ومعه جماعةٌ من أهل البصرة، ثم أقبل حتى نزل بالأهواز، وبلغ ذلك أهل البصرة فأفزعهم، وبعث عبد الله بن الزبير الحارث بن أبي ربيعة وعزل عبد الله بن الحارث، فأقبلت الخوارج نحو البصرة.
● [ ذكر محاربة المهلب الخوارج ] ●

لما قربت الخوارج من البصرة أتى أهلها الأحنف بن قيس وسألوه أن يتولى حربهم، فأشار بالمهلب بن أبي صفرة لما يعلم فيه من الشجاعة والرأي والمعرفة بالحرب، وكان قد قدم من عند ابن الزبير وقد ولاه خراسان، فقال الأحنف: ما لهذا الأمر غير المهلب.
فخرج إليه أشراف أهل البصرة فكلموه، فأبى، فكلمه الحارث بن أبي ربيعة، فاعتذر بعهده على خراسان، فوضع الحارث وأهل البصرة كتاباً إليه عن ابن الزبير يأمره بقتال الخوارج وأتوه بالكتاب، فلما قرأه قال: والله لا أسير إليهم إلا أن تجعلوا لي ما غلبت عليه وتقطعوني من بيت المال ما أقوي به من معي.
فأجابوه إلى ذلك وكتبوا له به كتاباً، وأرسلوا إلى ابن الزبير فأمضاه، فاختار المهلب من أهل البصرة ممن يعرف نجدته وشجاعته اثني عشر ألفاً، منهم: محمد بن واسع وعبد الله بن رياح الأنصاري ومعاوية بن قرة المزني وأبو عمران الجوبي، وخرج المهلب إلى الخوارج وهم عند الجسر الأصغر، فحاربهم وهو في وجوه الناس وأشرافهم، فدفعهم عن الجسر، ولم يكن بقي إلا أن يدخلوا، فارتفعوا إلى الجسر الأكبر، فسار إليهم في الخيل والرجال. فلما رأوه قد قاربهم ارتفعوا فوق ذلك.
ولما بلغ حارثة بن بدر تأمير المهلب على قتال الأزارقة قال لمن معه من الناس:
كرنبوا ودولبوا ... حيث شئتم فاذهبوا
فأقبل بمن معه نحو البصرة فرد الحارث بن أبي ربيعة إلى المهلب، وركب حارثة في سفينة في نهر دجيل يريد البصرة، فأتاه رجل من تميم وعليه سلاحه والخوارج وراءه، فصاح التميمي بحارثة يستغيث به ليحمله معه، فقرب السفينة إلى شاطىء النهر، وهو جرف، فوثب التميمي إليها فغاصت بجميع من فيها فغرقوا.
وأما المهلب فإنه سار حتى نزل بالخوارج وهم بنهر تيرى وتنحوا عنه إلى الأهواز، وسير المهلب إلى عسكرهم الجواسيس تأتيه بأخبارهم، فلما أتاه خبرهم سار نحوهم واستخلف أخاه المعارك بن أبي صفرة على نهر تيرى، فلما وصل الأهواز قاتلت الخوارج مقدمته، وعليهم ابنه المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة، فجال أصحابه ثم عادوا.
فلما رأى الخوارج صبرهم ساروا عن سوق الأهواز إلى مناذر، فسار يريدهم، فلما قاربهم سير الخوارج جمعاً عليهم واقد مولى أبي صفرة إلى نهر تيرى وبها المعارك فقتلوه وصلبوه، وبلغ الخبر إلى المهلب فسير ابنه المغيرة إلى نهر تيرى، فأنزل عمه المعارك ودفنه وسكن الناس واستخلف بها جماعةً وعاد إلى أبيه وقد نزل سولاف.
وكان المهلب شديد الاحتياط والحذر لا ينزل إلا في خندق وهو على تعبية ويتولى الحرس بنفسه، فلما نازل الخوارج بسولاف ركبوا ووقفوا له واقتتلوا قتالاً شديداً صبر فيه الفريقان، ثم حملت الخوارج حملةً صادقةً على المهلب وأصحابه فانهزموا وقتل منهم، وثبت المهلب وأبلى ابنه المغيرة يومئذٍ بلاءً حسناً ظهر فيه أثره، ونادى المهلب أصحابه فعادوا إليه معهم جمع كثير نحو أربعة آلاف فارس، فلما كان الغد أراد القتال بمن معه فنهاه بعض أصحابه لضعفهم وكثرة الجراح فيهم، فترك القتال وسار وقطع دجيل ونزل بالعاقول لا يؤتى إلا من جهة واحدة، وفي يوم سولاف يقول ابن قيس الرقيات:
الا طرقت من آل مية طارقه ... على أنها معشوقة الدل عاشقه
تميس وأرض السوس بيني وبينها ... وسولاف رستاقٌ حمته الأزارقه
إذا نحن شتى صادفتنا عصابةٌ ... حروريةٌ أضحت من الدين مارقه
أجازت إلينا العسكرين كليهما ... فباتت لنا دون اللحاف معانقه
وقال فيه بعض الخوارج:
وكائن تركنا يوم سولاف منهم ... اسارى وقتلى في الجحيم مصيرها
وأكثر الشعراء فيه.
فلما وصل المهلب إلى العاقول نزل فيه وأقام ثلاثة أيام، ثم ارتحل وسار نحو الخوارج، وهم بسلى وسلبرى، فنزل قريباً منهم، وكان كثيراً ما يفعل أشياء يحدث بها الناس لينشطوا إلى القتال فلا يرون لها أثراً، حتى قال الشاعر:
أنت الفتى كل الفتى ... لو كنت تصدق ما تقول
وسماه بعضهم الكذاب، وبعض الناس يظن أنه كذاب في كل حال، وليس كذلك إنما كان يفعل ذلك مكايدة للعدو.
فلما نزل المهلب قريباً من الخوارج وخندق عليهم وضع المسالح وأذكى العيون والحرس والناس على راياتهم ومواقفهم وأبواب الخندق محفوظة، فكان الخوارج إذا أرادوا بياته وغرته وجدوا أمراً محكماً فرجعوا، فلم يقاتلهم إنسان كان أشد عليهم منه.
ثم إن الخوارج أرسلوا عبيدة بن هلال والزبير بن الماحوز في عسكر ليلاً إلى عسكر المهلب ليبيتوه، فصاحوا بالناس عن يمينهم ويسارهم فوجدوهم على تعبية قد حذروا فلم ينالوا منهم شيئاً، وأصبح المهلب فخرج إليهم في تعبية، وجعل الأزد وتميماً ميمنةً، وبكر بن وائل وعبد القيس ميسرةً، وأهل العالية في القلب، وخرجت الخوارج وعلى ميمنتهم عبيدة بن هلال اليشكري، وعلى ميسرتهم الزبير بن الماحوز، وكانوا أحسن عدة وأكرم خيلاً من أهل البصرة لأنهم مخروا الأرض وجردوها ما بين كرمان إلى الأهواز. فالتقى الناس واقتتلوا أشد قتال، وصبر الفريقان عامة النهار، ثم إن الخوارج شدت على الناس شدةً منكرةً، فأجفلوا وانهزموا لا يلوي أحد على أحدٍ، حتى بلغت الهزيمة البصرة، وخاف أهلها السباء.
وأسرع المهلب حتى سبق المنهزمين إلى مكان مرتفع، ثم نادى: إلي عباد الله! فاجتمع إليه ثلاثة آلاف أكثرهم من قومه من الأزد، فلما رآهم رضي عدتهم فخطبم وحثهم على القتال ووعدهم النصر وأمرهم أن يأخذ كل رجل منهم عشرة أحجار، وقال: سيروا بنا نحو عسكرهم فإنهم الآن آمنون وقد خرجت خيلهم في طلب إخوانكم، فوالله إني لأرجو أن لا يرجع إليهم خيلهم حتى تستبيحوا عسكرهم وتقتلوا أميرهم. فأجابوه، فأقبل بهم راجعاً، فما شعرت الخوارج إلا والمهلب يقاتلهم في جانب عسكرهم، فلقيهم عبد الله بن الماحوز والخوارج، فرماهم أصحاب المهلب بالأحجار حتى أثخنوهم ثم طعنوهم بالرماح وضربوهم بالسيوف، فاقتتلوا ساعة، فقتل عبد الله بن الماحوز وكثيرٌ من أصحابه، وغنم المهلب عسكرهم، وأقبل من كان في طلب أهل البصرة راجعاً، وقد وضع المهلب لهم خيلاً ورجالاً تختطفهم وتقتلهم، وانكفأوا راجعين مذلولين مغلوبين، فارتفعوا إلى كرمان وجانب أصبهان.
قال بعض الخوارج لما رأى قتال أصحاب المهلب بالحجارة:
أتانا بأحجارٍ ليقتلنا بها ... وهل تقتل الأقران ويحك بالحجر
ولما فرغ المهلب منهم أقام مكانه حتى قدم مصعب بن الزبير على البصرة أميراً، وعزل الحارث بن أبي ربيعة؛ وفي هذا اليوم يقول الصلتان العبدي:
بسلى وسلبرى مصارع فتيةٍ ... كرامٍ وقتلى لم توسد خدودها
فلما قتل عبد الله بن الماحوز استخلف الخوارج الزبير بن الماحوز.
وكتب المهلب إلى الحارث بن أبي ربيعة يعرفه ظفره، فأرسل الحارث الكتاب إلى ابن الزبير بمكة ليقرأه على الناس هناك، وكتب الحارث إلى المهلب: أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه نصر الله وظفر المسلمين، فهنيئاً لك يا أخا الأزد شرف الدنيا وعزها وثواب الآخرة وفضلها.
فلما قرأ المهلب كتابه ضحك وقال: أما يعرفني إلا بأخي الأزد! ما هو إلا أعرابي جافٍ.
وقيل: إن عثمان بن عبيد الله بن معمر قاتل الخوارج ونافع بن الأزرق قبل مسلم فقتل عثمان وانهزم أصحابه بعد أن قتل من الخوارج خلقٌ كثير، فسير إليهم من البصرة بعده حارثة بن بدر الغداني، فلما رآهم عرف أنه لا طاقة له بهم فقال لأصحابه:
كرنبوا ودولبوا ... كيف شئتم فاذهبوا
يعني ما شاء؛ ثم سار بعده مسلم بن عبيس.
وقيل: إن المهلب لما دفع الخوارج من البصرة إلى ناحية الأهواز أقام بقية سنته يجبي كور دجلة، ورزق أصحابه، وأتاه المدد من البصرة حتى بلغ أصحابه ثلاثين ألفاً.
فعلى هذا تكون هزيمة الخوارج سنة ست وستين.

avatar
توتة
Admin

عدد المساهمات : 1210
تاريخ التسجيل : 13/02/2014

أحداث سنة خمس وستين Empty تابع أحداث سنة خمس وستين

مُساهمة من طرف توتة في الأحد 5 مايو - 13:38

● [ ذكر نجدة بن عامر الحنفي ] ●

هو نجدة بن عامر بن عبد الله بن ساد بن المفرج الحنفي، وكان مع نافع ابن الأزرق، ففارقه لإحداثه في مذهبه ما تقدم ذكره، وسار إلى اليمامة، ودعا أبا طالوت إلى نفسه، فمضى إلى الحضارم فنهبها، وكانت لبني حنيفة، فأخذها منهم معاوية بن أبي سفيان فجعل فيها من الرقيق ما عدتهم وعدة أبنائهم ونسائهم أربعة آلاف، فغنم ذلك وقسمه بين أصحابه، وذلك سنة خمس وستين، فكثر جمعه.
ثم إن عيراً خرجت من البحرين، وقيل من البصرة، تحمل مالاً وغيره يراد بها ابن الزبير، فاعترضها نجدة فأخذها وساقها حتى أتى بها أبا طالوت بالحضارم فقسمها بين أصحابه، وقال: اقتسموا هذا المال وردوا هؤلاء العبيد واجعلوهم يعملون الأرض لكم فإن ذلك أنفع. فاقتسموا المال وقالوا: نجدة خير لنا من أبي طالوت؛ فخلعوا أبا طالوت وبايعوا نجدة وبايعه أبو طالوت، وذلك في سنة ست وستين، ونجدة يومئذٍ ابن ثلاثين سنة.
ثم سار في جمع إلى بني كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، فلقيهم بذي المجاز فهزمهم وقتلهم قتلاً ذريعاً، وصبر كلاب وعطيف ابنا قرة بن هبيرة القشيريان وقاتلا حتى قتلا، وانهزم قيس بن الرقاد الجعدي فلحقه أخوه لأبيه معاوية فسأله أن يحمله ردفاً فلم يفعل.
ورجع نجدة إلى اليماامة فكثر أصحابه فصاروا ثلاثة آلاف، ثم سار نجدة إلى البحرين سنة سبع وستين، فقالت الأزد: نجدة أحب إلينا من ولاتنا لأنه ينكر الجور وولاتنا يجوزونه، فعزموا على مسالمته، واجتمعت عبد القيس ومن بالبحرين غير الأزد على محاربته، فقال بعض الأزد: نجدة أقرب إليكم منه إلينا لأنكم كلكم من ربيعة فلا تحاربوه! وقال بعضهم: لا ندع نجدة وهو حروريٌّ ما رق تجري علينا أحكامه. فالتقوا بالقطيف فانهزمت عبد القيس وقتل منهم جمعٌ كثير وسبى نجدة من قدر عليه من أهل القطيف؛ فقال الشاعر:
نصحت لعبد القيس يوم قطيفها ... وما نفع نصحٍ، قيل، لا يتقبل
وأقام نجدة بالقطيف ووجه ابنه المطرح في جمع إلى المنهزمين من عبد القيس، فقاتلوه بالثوير، فقتل المطرح بن نجدة وجماعة من أصحابه.
وأرسل نجدة سريةً إلى الخط فظفر بأهله، وأقام نجدة بالبحرين. فلما قدم مصعب بن الزبير إلى البصرة سنة تسع وستين بعث إليه عبد الله بن عمير الليثي الأعور في أربعة عشر ألفاً فجعل يقول: اثبت نجدة فإنا لا نفر، فقدم ونجدة بالقطيف، فأتى نجدة إلى ابن عمير، وهو غافل، فقاتلهم طويلاً وافترقوا، وأصبح ابن عمير فهاله ما رأى في عسكره وأصاب جواري فيهن أم ولد لابن عمير، فعرض عليها أن يرسلها إلى مولاها فقالت: لا حاجة بي إلى من فرعني وتركني.
وبعث نجدة أيضاً بعد هزيمة ابن عمير جيشاً إلى عمان واستعمل عليهم عطية بن الأسود الحنفي، وقد غلب عليها عباد بن عبد الله، وهو شيخ كبير، وابناه سعيد وسليمان يعشران السفن ويجيبان البلاد، فلما أتاهم عطية قاتلوه فقتل عباد واستولى عطية على البلاد فأقام بها أشهراً ثم خرج منها واستخلف رجلاً يكنى أبا القاسم، فقتله سعيد وسليمان ابنا عباد وأهل عمان.
ثم خالف عطية نجدة، على ما نذركه إن شاء الله، فعاد إلى عمان فلم يقدر عليها فركب في البحر وأتى كرمان وضرب بها دراهم سماها العطوية وأقام بكرمان. فأرسل إليه المهلب جيشاً، فهرب إلى سجستان ثم إلى السند، فلقيه خيل المهلب بقندابيل فقتله، وقيل: قتله الخوارج.
ثم بعث نجدة إلى البوادي بعد هزيمة ابن عمير أيضاً من يأخذ من أهلها الصدقة، فقاتل أصحابه بني تميم بكاظمة، وأعان أهل طويلع بني تميم، فقتلوا من الخوارج رجلاً، فأرسل نجدة إلى أهل طويلع من أغار عليهم وقتل منهم نيفاً وثلاثين رجلاً وسبى. ثم إنه دعاهم بعد ذلك فأجابوه، فأخذ منهم الصدقة، ثم سار نجدة إلى صنعاء في خف من الجيش، فبايعه أهلها وظنوا أن وراءه جيشاً كثيراً، فلما لم يروا مدداً يأتيه ندموا على بيعته، وبلغه ذلك فقال: إن شئتم أقلتكم بيعتكم وجعلتكم في حل منها وقاتلتكم. فقالوا: لا نستقيل بيعتنا. فبعث إلى مخالفيها فأخذ منهم الصدقة، وبعث نجدة أبا فديك إلى حضرموت فجبى صدقات أهلها.
وحج نجدة سنة ثمان وستين، وقيل سنة تسع وستين، وهو في ثمانمائة وستين رجلاً، وقيل في ألفي رجل وستمائة رجل، وصالح ابن الزبير على أن يصلي كل واحد بأصحابه ويقف بهم ويكف بعضهم عن بعض.
فلما صدر نجدة عن الحج سار إلى المدينة، فتأهب أهلها لقتاله، وتقلد عبد الله بن عمر سيفاً، فلما كان نجدة بنخل أخبر بلبس ابن عمر السلاح، فرجع إلى الطائف وأصاب بنتاً لعبد الله بن عمرو بن عثمان كانت عند ظئر لها فضمها إليه، فقال بعض أصحابه: إن نجدة ليتعصب لهذه الجارية فامتحنوه، فسأله بعضهم بيعها منه، فقال: قد أعتقت نصيبي منها فهي حرة. قال: فزوجني إياها. قال: هي بالغ وهي أملك بنفسها فأنا استأمرها؛ فقام من مجلسه ثم عاد، قال: قد استأمرتها وكرهت الزواج.
فقيل: إن عبد الملك أو عبد الله بن الزبير كتب إليه: والله لئن أحدثت فيها حدثاً لأطأن بلادك وطأة لا يبقى معها بكري.
وكتب نجدة إلى ابن عمر يسأله عن أشياء، فقال: سلوا ابن عباس، فسألوه، ومساءلة ابن عباس مشهورة.
ولما سار نجدة من الطائف أتاه عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي فبايعه عن قومه، ولم يدخل نجدة الطائف، فلما قدم الحجاج الطائف لمحاربة ابن الزبير قال لعاصم: يا ذا الوجهين بايعت نجدة! قال: إي والله وذو عشرة أوجه، أعطيت نجدة الرضى ودفعته عن قومي وبلدي.
واستعمل الحاروق، وهو حراق، على الطائف وتبالة والسراة، واستعمل سعد الطلائع على ما يلي نجران، ورجع نجدة إلى البحرين فقطع الميرة عن أهل الحرمين منها ومن اليمامة، فكتب إليه ابن عباس: إن ثمامة بن أثال لما أسلم قطع الميرة عن أهل مكة وهم مشركون فكتب إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إن أهل مكة أهل الله فلا تمنعهم الميرة، فجعلها لهم، وإنك قطعت الميرة عنا ونحن مسلمون. فجعلها نجدة لهم.
ولم يزل عمال نجدة على النواحي حتى اختلف عليه أصحابه فطمع فيهم الناس؛ فأما الحاروق فطلبوه بالطائف فهرب، فلما كان من العقبة في طريقه لحقه قوم يطلبونه فرموه بالحجارة حتى قتلوه.
● [ ذكر الاختلاف على نجدة ] ●
وقتله وولاية أبي فديك

ثم إن أصحاب نجدة اختلفوا عليه لأسباب نقموها منه، فمنها: أنا أبا سنان حي بن وائل أشار على نجدة بقتل من أجابه تقية، فشتمه نجدة، فهم بالفتك به، فقال له نجدة: كلف الله أحداً علم الغيب؟ قال: لا. قال: فإنما علينا أن نحكم بالظاهر. فرجع أبو سنان إلى نجدة.
ومنها: أن عطية بن الأسود خالف على نجدة، وسببه أن نجدة سير سريةً بحراً وسريةً براً، فأعطى سرية البحر أكثر من سرية البر، فنازعه عطية حتى أغضبه، فشتمه نجدة، فغضب عليه وألب الناس عليه. وكلم نجدة في رجل يشرب الخمر في عسكره فقال: هو رجل شديد النكاية على العدو وقد استنصر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالمشركين. وكتب عبد الملك إلى نجدة يدعوه إلى طاعته ويوليه اليمامة ويهدر له ما أصاب من الأموال والدماء، فطعن عليه عطية وقال: ما كاتبه عبد الملك حتى علم منه دهاناً في الدين، وفارقه إلى عمان.
ومنها أن قوماً فارقوا نجدة واستنابوه فحلف أن لا يعود، ثم ندموا على استنابته وتفرقوا ونقموا عليه أشياء أخر فخالف عليه عامة من معه فانحازوا عنه وولوا أمرهم أبا فديك عبد الله بن ثور، أحد بني قيس بن ثعلبة، واستخفى نجدة، فأرسل أبو فديك في طلبه جماعةً من أصحابه وقال: إن ظفرتم به فجيئوني به. وقيل لأبي فديك: إن لم تقتل نجدة تفرق الناس عنك، فألح في طلبه. وكان نجدة مستخفياً في قرية من قرى حجر، وكان للقوم الذين اختفى عندهم جاريةٌ يخالف إليها راعٍ لهم، فأخذت الجارية من طيب كان مع نجدة، فسألها الراعي عن أمر الطيب، فأخبرته، فأخبر الراعي أصحاب أبي فديك بنجدة، فطلبوه، فنذر بهم، فأتى أخواله من بني تميم فاستخفى عندهم. ثم أراد المسير إلى عبد الملك فأتى بيته ليعهد إلى زوجته، فعلم به الفديكية وقصدوه، فسبق إليه رجل منهم فأعلمه، فخرج وبيده السيف، فنزل الفديكي عن فرسه وقال: إن فرسي هذا لا يدرك فاركبه فلعلك تنجو عليه. فقال: ما أحب البقاء ولقد تعرضت للشهادة في مواطن ما هذا بأحسنها، وغشيه أصحاب أبي فديك فقتلوه، وكان شجاعاً كريماً، وهو يقول:
وإن جر مولانا علينا جريرةً ... صبرنا لها إن الكرام الدعائم
ولما قتل نجدة سخط قتله قوماً من أصحاب أبي فديك ففارقوه، وثار به مسلم بن جبير فضربه اثنتي عشرة ضربة بسكين، فقتل مسلم وحمل أبو فديك إلى منزله فبرأ.
ذكر استعمال مصعب على المدينةفي هذه السنة عزل عبد الله بن الزبير أخاه عبيدة بن الزبير عن المدينة واستعمل أخاه مصعباً.
وسبب ذلك أن عبيدة خطب الناس فقال لهم: قد ترون ما صنع الله بقوم في ناقة قيمتها خمسة دراهم، فسمي مقوم الناقة، فبلغ ذلك أخاه عبد الله فعزله واستعمل مصعباً.
● [ ذكر بناء ابن الزبير الكعبة ] ●

لما احترقت الكعبة حين غزا أهل الشام عبد الله بن الزبير أيام يزيد تركها ابن الزبير يشنع بذلك على أهل الشام، فلما مات يزيد واستقر الأمر لابن الزبير شرع في بنائها، فأمر بهدمها حتى ألحقت بالأرض، وكانت قد مالت حيطانها من حجارة المنجنيق، وجعل الحجر الأسود عنده، وكان الناس يطوفون من وراء الأساس، وضرب عليها السور وأدخل فيها الحجر، واحتج بأن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال لعائشة: لولا حدثان عهد قومك بالكفر لرددت الكعبة على أساس إبراهيم وأزيد فيها الحجر.
فحفر ابن الزبير فوجد أساساً أمثال الجمال فحركوا منها صخرة فبرقت بارقة فقال: أقروها على أساسها وبنائها، وجعل لها بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر.
وقيل: كانت عمارتها سنة أربع وستين.
● [ ذكر الحرب بين ابن خازم وبني تميم ] ●

في هذه السنة كانت الحرب بين ابن خازم السلمي وبني تميم بخراسان.
وسبب ذلك أن من كان بخراسان من بني تميم أعانوا ابن خازم على من بها من ربيعة، وقد تقدم ذكر ذلك، فلما صفت له خراسان جفا بني تميم، وكان قد جعل ابنه محمداً على هراة، وجعل على شرطته بكير بن وساج وضم إليه شماس بن دثار العطاردي، وكانت أم محمد تميمية، فلما جفا ابن خازم بني تميم أتوا ابنه محمداً بهراة، فكتب ابن خازم إلى ابنه محمد وإلى بكير وشماس يأمرهم بمنعهم عن هراة، فأما شماس فصار مع بني تميم، وأما بكير فإنه منعهم، فأقاموا ببلاد هرا، فأرسل بكير إلى شماس: إني أعطيتك ثلاثين ألفاً فأعط كل رجل من بني تميم ألفاً على أن ينصرفوا.
فأبوا عليه وأقاموا يترصدون محمداً، فخرج يتصيد فأخذوه وشدوه وثاقاً وشربوا ليلتهم وجعلوا يبولون عليه كلما أرادوا البول، فقال لهم شماس: أما إذا بلغتم هذا منه فاقتلوه بصاحبيكما اللذين قتلهما بالسياط. وكان قد ضرب رجلين من تميم بالسياط حتى ماتا. فقاموا إليه ليقتلوه، فنهاهم عنه حيان بن مشحبة الضبي وألقى نفسه عليه، فلم يقبلوا منه وقتلوا محمداً. فشكر ابن خازم لجيهان ذلك فلم يقتله فيمن قتل يوم فرتنا.
وكان الذي تولى قتل محمد رجلان اسم أحدهما عجلة واسم الآخر كسيب. فقال ابن خازم: بئس ما اكتسب كسيب لقومه، ولقد عجل عجلة لقومه شراً.
وأقبلت تميم إلى مرو وأمروا عليهم الحريش بن هلال القريعي، وأجمع أكثرهم على قتال ابن خازم، فقاتل الحريش بن هلال عبد الله بن خازم سنتين، فلما طالت الحرب خرج الحريش فنادى ابن خازم وقال له: طالت الحرب بيننا فعلام تقتل قومي وقومك؟ ابرز إلي فأينا قتل صاحبه صارت الأرض له.
فقال له ابن خازم: قد أنصفت. فبرز إليه فتضاربا وتصاولا تصاول الفحلين لا يقدر أحدهما على صاحبه، ثم غفل ابن خازم فضربه الحريش على رأسه فألقى فروة رأسه على وجهه وانقطع ركاب الحريش وانتزع السيف، ولزم ابن خازم عنق فرسه راجعاً إلى أصحابه، ثم غاداهم القتال، فمكثوا بذلك بعد الضربة أياماً ثم مل الفريقان فتفرقوا ثلاث فرق: فرقة إلى نيسابور مع بحير بن ورقاء، وفرقة إلى ناحية أخرى، وفرقة فيها الحريش إلى مرو الروذ، فاتبعه ابن خازم إلى قرية تسمى الملحمة والحريش في اثني عشر رجلاً، وقد تفرقت عنه أصحابه، وهم في خربة، فلما انتهى إليه ابن خازم خرج إليه في أصحابه، فحمل مولىً لابن خازم على الحريش فضربه فلم يصنع شيئاً، فقال الحريش لرجل معه: إن سيفي لا يصنع في سلاحه شيئاً فأعطني خشبة، فأعطاه عوداً من عناب، فحمل على المولى فضربه فسقط وقيذاً، ثم قال لابن خازم: ما تريد مني وقد خليتك والبلاد؟ قال: إنك تعود إليها. قال: لا أعود، فصالحه على أن يخرج من خراسان ولا يعود إلى قتاله، فأعطاه اب خازم أربعين ألفاً، وفتح له الحريش باب القصر، فدخله ابن خازم وضمن له وفاء دينه وتحدثا طويلاً.
وطارت قطنةٌ عن الضربة التي برأس ابن خازم، فأخذها الحريش ووضعها مكانها، فقال له ابن خازم: مسك اليوم ألين من مسك أمس. فقال الحريش: معذرة إلى الله وإليك، أما والله لولا أن ركابي انقطع لخالط السيف رأسك؛ قال الحريش في ذلك:
أزال عظم ذراعي عن مركبه ... حمل الرديني في الإدلاج بالسحر
حولين ما اغتمضت عيني بمنزلةٍ ... إلا وكفي وسادٌ لي على حجر
بزي الحديد وسربالي إذا هجعت ... عني العيون مجال الفالح الذكر
بحير بن ورقاء بفتح الباء الموحدة، والحاء المهملة المكسورة. والحريش بالحاء والراء المهملتين، والشين المعجمة.
● [ ذكر عدة حوادث ] ●

في هذه السنة وقع طاعون الجارف بالبصرة وعليها عبيد الله بن معمر، فهلك به خلق كثير، فماتت أم عبيد الله، فلم يجدوا لها من يحملها حتى استأجروا من حملها، وهو الأمير.
وحج بالناس عبد الله بن الزبير. وكان على المدينة مصعب، وعلى الكوفة ابن مطيع، وعلى البصرة الحارث بن ربيعة المخزومي، وعلى خراسان عبد الله بن خازم.
وفيها توفي عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي، وكان قد عمي آخر عمره، وكانت وفاته بمصر، وقيل: توفي سنة ثمان وستين.

أحداث سنة خمس وستين Fasel10

مختصر الكامل في التاريخ لابن الأثير
منتدى نافذة ثقافية - البوابة
أحداث سنة خمس وستين E110


    الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 17 سبتمبر - 21:38