المقدمة فيها بداية الخلق

شاطر

توتة
Admin

عدد المساهمات : 1037
تاريخ التسجيل : 13/02/2014

المقدمة فيها بداية الخلق

مُساهمة من طرف توتة في السبت 8 ديسمبر - 14:40


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مُختصر أخبار الزمان
المقدمة فيها بداية الخلق


بسم الله الرحمن الرحيم
وهو حسبنا ونعم الوكيل
" قال الشيخ أبو الحسن، علي بن الحسين بن علي بن عبد الله الهذلي المسعودي رحمه الله "
نبتدئ بحمد الله وذكره وشكره، والثناء عليه والشكر له، والصلاة على أنبيائه ورسله وملائكته، ونخص سيدنا ونبينا محمداً صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأزواجه وأصحابه، بأفضل صلواته، وأكمل تحياته، وأزكى بركاته.
ثم نذكر ما وقع إلينا من أسرار الطبائع، وأصناف الخلق، مما يكون ذلك مشاكلا لقصدنا، ونصل ذلك بذكر ما يجب ذكره من ملوك الأرض، وما عملوه من عجائب الأعمال؛ وشيدوه من عجائب البلدان ووصفوه من الآلات المستطرفة والطلاسمات المستعملة، وما بنوا من هياكلهم، وأودعوه نواسهم، وزبروه على أحجارهم. على حسب ما نقل إلينا من ذلك.
نبدأ بما جاء من الآثار الشرعية، والملة الحنيفية، ثم نذكر ما روي عن الحكماء الأول المتقدمين، وبالله أستعين، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وقد سميت كتابي هذا بكتاب تاريخ " أخبار الزمان ومن أباده الحدثان وعجائب البلدان والغامر بالماء و العمران "
فأنا أقول : " أما بعد " فان الله جل جلاله، وتقدست أسماؤه، خلق خلقه من غير ضرورة كانت منه إلى خلقهم، وأنشأهم من غير حاجة كانت منه إلى إنشائهم. بل خلقهم ليعبدوه، فيجود عليهم بنعمه ويحمدوه، فيزيدهم من فضله فيشكروه ويمجدوه.
كما قال عز وجل ( وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد ان يطعمون، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ) فلم يزده خلقه إياهم وإيجادهم مثقال ذرة، ولم ينقصه إفناؤهم وإعدامهم وزن شعرة، لأنه سبحانه لا تغيره الأحوال، ولا يدخله الملال، ولا تتقاضى سلطانه الأيام والليال. بل خصهم بأسماع وأبصار، وعقول وأفكار. يصلون بها إلى الحق والباطل، فيعرفون بذلك المنافع والمضار.
وجعل لهم الأرض بساطاً، ليسلكوا منها سبلاً فجاجا، والسماء سقفاً محفوظاً.أنزل منها الغيث المدرار، والأرزاق بمقدار، وأجرى لهم فيها قمر الليل وشمس النهار. يتعاقبان لمصالحهم دائبين.وجعل لهم الليل سكناً، والنهار معاشاً. ومحا آية الليل، وجعل آية النهار مبصرة. ليصلوا بذلك إلى العلم بأوقات فروضهم التي فرضها عليهم. من الصلاة والزكاة والصيام والحج، وليعلموا عدد السنين والحساب، وحين تحل ديونهم، وتجب حقوقهم.
قال الله عز وجل وعلا: ( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ) وقال ( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب، ما خلق الله ذلك إلا بالحق ) إنعاماً منه وطولا، وإحساناً منه وفضلا.
وعن نافع عن ابن عمر، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنما أجلكم في آجال من خلا من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ".
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بعثت أنا والساعة كهاتين " و أشار بالسبابة و الوسطى.
وفي حديث سهل بن سعد الساعدي قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما مثلي ومثل الساعة إلا كفرسي رهان ".
وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أول ما خلق الله القلم خلقه من نور طوله خمسمائة عام، زخلق اللوح المحفوظ من درة بيضاء، حافاته من ياقوت أحمر، عرضه ما بين السماء والأرض، خلقهما قبل أن يخلق الخلق والسموات والأرض. فقال للقلم اكتب ، قال وما اكتب ، قال أكتب علمي في خلقي الى يوم القيامة، فجرى القلم بما هو كائن الى يوم القيامة ".
وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق والسموات والأرض ، قال: " كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء ".
وسئل ابن عباس " على أي شيء كان الماء ، قال: على متن الريح فلما أراد الباري جل جلاله أن يخلق الخلق سلط الريح العقيم على الماء فطفت أمواجه وارتفع زبده، وعلا دخانه، وصعد فوق الماء وسما عليه، فسماه الله سماء وجمد الزبد فصار أرضأً فوق الماء، والماء على ظهر صفاة؛ والصفاة على متن الريح، فتزلزلت الأرض فأمر الأمواج فأرست عليها جبالاً جامدة، فاستقرت وثبتت فذلك قوله عز وجل ( وجعل فيها رواسي من فوقها )، ( وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بكم ).
وقي رواية أسد بن موسى قال " أمر الله تبارك وتعالى السماء أن ترتفع وتسمو، وأمر الأرض أن تنبسط وتنخفض فانبسطت، فدحاها من موضع بيت الله الحرام ".
ولما أراد الله عز وجل أن يخلق آدم أمر جبريل ان ينزل الى الأرض ويقبض القبضة التي خلقه منها، فقالت له الأرض: أعوذ بالله منك أن تأخذ مني شيئاً، فرجع الى ربه، وقال يا رب تعوذَت بك مني. فأرسل اسرافيل، فقال مثل ذلك، فارسل ملك الموت فتعوذَت بالله منه، فقال ملك الموت إن ربي أمرني وأنا أعوذ به أن أرجع اليه بغير ما أمرني به.
وروى بعض أهل الأثر أن أول ما أجرى الله الروح في آدم أجراه في رأسه وعينيه قبل سائر جسده، فلما رأى ثمار الجنة أراد النهوض اليها قبل أن تبلغ الروح الى رجليه فلم يستطع فذلك قوله عز وجل ( وكان الانسان عجولا ) فلما خلق الله آدم عجبت الملائكة منه فأمرهم بالسجود له كلهم، فسجدوا طاعة لله تعالى إلا إبليس فانه تكبر وامتلأ حسداً ومعصية، فغضب الله عليه ولعنه، وكان ذلك سببَ هبوطه الى الأرض.
وأما الحكماء المتقدمون فانهم يقولون : إن الله تعال جمع الدراري في الحمل فجعل الشمس ملكاً، وصير عطارد كالكاتب، والمشتري كالقاضي، والمريخ كالشرطي وكمن يحمل السلاح، والقمر كالخازن، والزهرة كالصاحبة وزحل كالشيخ المشاور، والجوزهر كالمقوم لأمر الفلك.
وذكرت الأوائل أنه كان في الأرض ثمان وعشرون أمة مخلوقة روحانية ذوات قوة وبطش، وصور مختلفات بحذاء الثمان والعشرين منزلة، لكل منزلة، أمة مفردة.
ويزعمون أن الأمم الماضية، " تعالى الله عن قولهم "، إنما كان تدبيرها للكواكب الثابتة وهي ألف كوكب وعشرون كوكباً، يقطع كل كوكب منها البرج في ثلاثة آلاف سنة، وهي التي تعمل الأعمال كلها، وبها يكون جميع الأمور.
وقال بعض أهل الأثر: إن الله خلق الأفلاك من بخار وإنه لما صعد انعقد وهي سبعة أفلاك، وفوقها البيت المعمور، وله ثلاثمائة وستون باباً، جعلت درجاً للفلك، وإن كل رحمة وبركة إنما تنزل من تلك الأبواب، مقسومة على البروج والكواكب حتى تصير إلى الأرض.
وقالوا إن الله خلق خلقاً هو ملء ملكه يسمى الروح، ومن فوقه الحجب وذلك كله داخل في الكرسي. وهو قوله عز وجل ( وسع كرسيه السموات والأرض ) والكرسي وماحوى داخل في العرش، والعرش وما حوى داخل في علم الله جلت عظمته. وأعلا الدراري السبعة زحل ثم المشتري ثم المريخ ثم الشمس ثم الزهرة ثم عطارد ثم القمر.
وزعم قوم من الحكماء الأوائل ان الكواكب ملائكة، وانه جعل لها من تدبير العالم ما لم يجعل لغيرها، فلذلك عظموها وعبدوها.
وزعم قوم منهم ان الخلق العالية الذين هم الملائكة اثنا عشر صنفاً بحذاء البروج الاثني عشر، وأنهم يتوارثون، جعل الله فيمن شاء منهم حولاً وقوة يقدر أحدهم أن يكون في صورة تملأ الارض عظما، ويقدر احدهم ان يكون في صورة تدخل من خرق الابرة لطفاً، ويغوص في تخوم الأرض والبحار والجبال، لا يمنعه من ذلك مانع، ومنهم من له من الأجنحة مثنى وثلاث ورباع، كما قال الله عز وجل، يلتحقون اقطار الأرض كلمحة البصر، ومنهم مخلوق من النور، ومنهم زرق من نور النار، ومنهم شعاعيون، ومنهم ملائكة الرحمة، ومنهم الحفظة والخزنة.
وهؤلاء مخلوقون من رطوبة الماء وهم حسان الوجوه سمر الالوان، ومنهم مشغولون بعبادة الله لا يعرفون غيرها، وهم في صور لاتحصى.
وقال اصحاب الطبيعة : ان الافلاك لما تم خلقها كانت كالأجسام لكواكبها وكانت الكواكب كالأرواح لها.
وقال هرمس : لما خلق الله عز وجل البروج قسم لها دوامها في سلطانه، فجعل للحمل اثني عشر ألف سنة، وللثور احد عشر ألف سنة، وللجوزاء عشرة آلاف سنة، وللأسد ثمانية آلاف سنة، وللسنبلة سبعة آلاف سنة، وللميزان ستة آلاف سنة، وللعقرب خمسة آلاف سنة، وللقوس أربعة آلاف سنة، وللجدي ثلاثة آلاف سنة، وللدلو ألفي سنة، وللحوت ألف سنة، فصار للدور ثمانية وسبعون ألف سنة، والباقي لسائر الكواكب.
ولم يكن في عدد الحمل والثور والجوزاء حيوان، وذلك ثلاثة وثلاثون ألف سنة، ولا في الأرض عالم روحاني.
فلما كان عالم السرطان تكونت دواب الماء وهوام الارض، ولما استقام الاسد في سلطانه تكونت ذوات الأربع من الدواب والبهائم.
فلما دخل سلطان السنبلة تكون الانسانان أدمانوس وحيوانوس، وكانت الطيور في سلطان الميزان.
واما مقادير الكواكب عندهم. فقالوا ان الشمس اكبر من الأرض بمائة مرة وثلاث وستين مرة، وزحل اكبر من الأرض باحدى وتسعين مرة ونصف مرة، والمشتري بإحدى وثمانين مرة، والمريخ بثلاث وسبعين مرة والزهرة بنيف وستين مرة، وعطارد بثلاث وثلاثين مرة وثلث مرة، والقمر بسبع عشرة مرة وربع مرة وكانت الشمس كالملك والدراري كما ذكرنا.
ومن الفلاسفة من يقول ان الكواكب حية ناطقة حساسة. ومنهم من قال ان لها حاسة السمع والبصر واللمس، وليس لها حاسة الذوق والشم لانها مشتغلة عن ذلك. ومنهم من زعم ان الفلك حي مميز لجميع ما فيه، ذو صورة فكذلك جميع ما فيه بهذه المنزلة.
وقالوا إن ضياء القمر مأخوذ من ضوء الشمس، لأنهما إذا اجتمعا لم يكن للقمر نور.
وقال قوم منهم العالم محدث إلا أنه لا يبيد لأنه حكمة وصنعة حكيم، والحكيم لا يفسد صنعته.
أما ماذكروه من توقيت الزمان ومدته الى انقضائه، فانهم قالوا فيه أقوالاً لاتسلم لهم، إنما تُسمع وتُذكر على ما يتعجب منه لا على جهة التصديق به، نعوذ بالله.
ففي كتاب السندهند الذي عمل منه المجسطي وغيره من الزيجات أن دوران الشمس من أول سيرها من الحمل انما سيرها ينقضي على ما حسبوه من الآلاف ألف ألف وأربعمائة ألف ألف وعشرون ألف دورة لكل دورة سنة، والسنة ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً وربع يوم.
وقالوا إن أصل الدور أربعة آ لاف ألف ألف وثلاثمائة ألف ألف وعشرون ألف ألف عند كل بدء ألف سنة.
وأما أهل الأثر، فزعم قوم أن عمر الزمان الى آدم عليه السلام سبعة آلاف منه، ورواية محمد بن جرير الطبري على ما قدمنا ذكره أن من آدم الى انقضاء الخلق سبعة آلاف. وذكر طلوع الشمس من مغربها قبل انقضاء العالم.
وقال قوم: إذا بلغ القلب خمس عشرة درجة من الأسد كان طوفان نار يحرق العالم بأسره فلا يبقى على وجه الأرض حيوان ولا في البحار، وتبقى الأرض خراباً من العالم، ثم يستانف الله عز وجل ما أراد في الخلق.
وكان أرسطاطاليس يرى أن الزمان لا يبيد، ولا ينفد. وأن الطبيعة قديمة، وأنه لا أول لها ولا آخر، " وهذا إفكهم ".
ويقال إن الأمم المخلوقات قبل آدم عليه السلام كانت جملتها ثمانياً وعشرين أمة بازاء المنازل العالية التي يحلها لقمر، لأنه المستولي عندهم لتدبيرالعالم الأرضي " تعالى الله عما يقولون " ، خلقت من أمزجة مختلفة أصلها الماء والهواء والنار والأرض، فهي متباينة الخلق، فمنها أمة طوال خفاف زرق ذات أجنحة كلامهم قرقعة، ومنها أمة أبدانهم كأبدان الأسد ورؤوسهم رؤوس لها شعور وأذناب طوال كلامهم دوي، ومنها امة لها وجهان قدامها وخلفها وأرجل كثيرة وكلامهم كلام الطير. ومنها الجن. ومنها صفة الجن، وهي أمة قي صور الكلاب لها أذناب وكلامها همهمة لا يفهم. إلى أخر ماقالوا.
وسئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، هل كان في الأرض خلق من خلق الله تعالى قبل آدم يعبدون الله تعالى، فقال: نعم خلق الله تعالى الأرض، وخلق فيها أمماً من الجن يسبحونه ويقدسونه لا يفترون، وكانوا إذا يطيرون إلى السماء، ويلقون الملائكة، ويسلمون عليهم ويتعلمون منهم الخير، ويعلمون منهم بخبر ما يجري في السماء، ثم إن طائفة من الجن تمردوا وعتوا عن أمر الله عز وجل، وبغوا في الأرض بغير الحق، وعلا بعضهم على بعض، حتى سفكوا الدماء؛ وأظهروا الفساد، وجحدوا الربوبية.وأقام الآخرون المطيعون على دينهم وعبادتهم وباينوا الذين عتوا عن امر الله، وكان يصعد إلى السموات عنها للطاعة، وخلق الملائكة كما قدمنا ذكره روحانين ذوي أجنحة يطيرون بها حيث صيرهم الله تعالى، وأسكنهم ما بين اطباق السموات يسبحونه ويقدسونه لا يفترون حتى اصطفى الله تعالى منهم الملائكة فكان أقربهم منه اسرافيل، ثم ميكائيل ثم جبرائيل صلوات الله تعالى وسلا مه عليهم أجمعين.
وأما الجن فذكرت الهند والفرس واليونان ولادات الجن وقبائلهم وأسماء ملوكهم، وزعموا أنهم مفترقون على إحدى وعشرين قبيلة، وبعد خمسة آلاف سنة ملكوا عليهم ملكاً منهم، يقال له الملك شمائيل، ثم افترقوا فملكوا عليهم خمسة ملوك فأقاموا بذلك دهراً طويلاً، ثم أغار بعض الجن على بعض، وكانت بينهم وقائع كثيرة وحروب شديدة وكان إبليس منهم، وله أسماء كثيرة باختلاف اللغات غير أن اسمه بالعربية الحارث ويكنى أبا مرة. وكان يصعد إلى السماء ويقف في صفوف الملائكة، ويجتهد في العبادة، فلما بغى بعض على بعض وكانت تلك الحروب بينهم اهبط إلى الأرض في جند من الملائكة فهزمهم وقتلهم، وجعل ملكا على الأرض فتجبر وطغا، وكان امتناعه من السجود لآدم عليه السلام. كما أنبأنا الله عز وجل في كتابه، فاهبط في أقبح صورة وأشدها تشويها فأنكره جميع قبائل الجن واستوحشوا منه. فلما رأى ذلك سكن البحر، وجعل له عرشاً على الماء ثم جعل له ولادة كما جعلت لآدم عليه السلام.
وذكر بعض العلماء صنوف الجن فزعم أن الشياطين خمس وثلاثون قبيلة وأن الذين يطيرون في الجو خمس عشرة قبيلة وان الذين مع لهب النار عشر قبائل وأن مسترقي السمع ثلاثون قبيلة، ولهذه القبائل كلها ملوك من كل قبيلة لدفع شرهم.
ومنهم صنف لا تفارق صور الحياة وربما قتلها الرجل فهلك. يحكى ان فتى من الانصار قريب عهد بعرس استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تقدمه يوم الخندق وأن يلم بأهله فأذن له فلما انتهى إلى منزله وجد امرأته قائمة بالباب فأدركته غيرة وأهوى إليها برمحه، فقالت له لا تعجل وادخل حتى تنظر ما على فراشك، فدخل فرأى على فراشه حية عظيمة، فطعنها برمحه فقتلها، فمات هو من ساعته.
والعرب تذكر راكباً على جمل في قدرالشاة وفد عليهم بسوق عكاظ نادى ألا من يهبني ثمانين بكرة هجاناً وأدماً فلم يجبه أحد. فلما رأى ذلك ضرب جمله وطار به بين السماء والأرض كالبرق، فعجبوا منه.
فحدثهم رجل قال: لقيت رجلاً في بعض المفارز راكباً على نعامة وعيناه مشقوقتان بطول وجهه، فأخذتني منه روعة ثم استوقفته فقلت له: اتروي شيئاً من الشعر، قال: نعم وأقرضه، وأنشدني:
أتـاركة تـحـيتـهـا قـطـــام ● وضنا بالتحية والسلام
حتى أتى على آخرها فقلت له: هيهات سبقك إليها أخو بني ذبيان، فقال: أنا والله يا أخي، نطقت بها على لسانه بسوق عكاظ، وكنت قلتها قبل ذلك بأربعمائة عام.
ويقال إن الله تعالى خلق ألفاً وعشرين أمة حذاء الكواكب الثابته منها في البحر ستمائة أمة، ومنها في البر أربعمائة أمة وعشرين أمة، أحسنها الانسان وأتمها وأحبها إلى الباري سبحانه وتعالى وأفضلها،
ويقال أن في الإنسان من كل الخلق، فلذلك سخر له جميع الحيوان وسلط عليها فاقتنصها وذللها، وسخر أكثرها وجمع له المأكول من النبات والحيوان البهيمي والوحشي وغيره، وله خلقت اللذات جميعاً، وعمل بهذه الأعمال.
وله المنطق والضحك، والفكر والفطنة، واختراعات الأشياء، وله خاطب الباري عز وجل، وعليه وقع الأمر والنهي.
والإنسان هو الذي استنبط الأشياء وجمع العلوم، وعمل الآلات، وأثار المعادن، وأخرج ما في قعور البحار، وسخر له كل شيء.
قال المسعودي رحمه لله: وقد ذكرنا من أخبار الروحانية، على ما نقل ألينا والله اعلم بخلقه، ومن اشياء كثيرة على طريق التعجب لامن طريق التصديق، فمن قرأ كتابنا هذا فليعلم العذر فيما أوردناه، وبالله التوفيق والتسديد والمعونه والتأييد.


مُختصر أخبار الزمان للمسعودي
مجلة نافذة ثقافية . البوابة



************************************** 1

بّسم الله الرّحمن الرّحيم
أخبار الزمان
المقدمة وفيها بداية الخلق

بسم الله الرحمن الرحيم
وهو حسبنا ونعم الوكيل
" قال الشيخ أبو الحسن، علي بن الحسين بن علي بن عبد الله الهذلي المسعودي رحمه الله "
نبتدئ بحمد الله وذكره وشكره، والثناء عليه والشكر له، والصلاة على أنبيائه ورسله وملائكته، ونخص سيدنا ونبينا محمداً صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأزواجه وأصحابه، بأفضل صلواته، وأكمل تحياته، وأزكى بركاته.
ثم نذكر ما وقع إلينا من أسرار الطبائع، وأصناف الخلق، مما يكون ذلك مشاكلا لقصدنا، ونصل ذلك بذكر ما يجب ذكره من ملوك الأرض، وما عملوه من عجائب الأعمال؛ وشيدوه من عجائب البلدان ووصفوه من الآلات المستطرفة والطلاسمات المستعملة، وما بنوا من هياكلهم، وأودعوه نواسهم، وزبروه على أحجارهم. على حسب ما نقل إلينا من ذلك.
نبدأ بما جاء من الآثار الشرعية، والملة الحنيفية، ثم نذكر ما روي عن الحكماء الأول المتقدمين، وبالله أستعين، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وقد سميت كتابي هذا بكتاب تاريخ " أخبار الزمان ومن أباده الحدثان وعجائب البلدان والغامر بالماء و العمران "
فأنا أقول : " أما بعد " فان الله جل جلاله، وتقدست أسماؤه، خلق خلقه من غير ضرورة كانت منه إلى خلقهم، وأنشأهم من غير حاجة كانت منه إلى إنشائهم. بل خلقهم ليعبدوه، فيجود عليهم بنعمه ويحمدوه، فيزيدهم من فضله فيشكروه ويمجدوه.
كما قال عز وجل ( وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد ان يطعمون، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ) فلم يزده خلقه إياهم وإيجادهم مثقال ذرة، ولم ينقصه إفناؤهم وإعدامهم وزن شعرة، لأنه سبحانه لا تغيره الأحوال، ولا يدخله الملال، ولا تتقاضى سلطانه الأيام والليال. بل خصهم بأسماع وأبصار، وعقول وأفكار. يصلون بها إلى الحق والباطل، فيعرفون بذلك المنافع والمضار.
وجعل لهم الأرض بساطاً، ليسلكوا منها سبلاً فجاجا، والسماء سقفاً محفوظاً.أنزل منها الغيث المدرار، والأرزاق بمقدار، وأجرى لهم فيها قمر الليل وشمس النهار. يتعاقبان لمصالحهم دائبين.وجعل لهم الليل سكناً، والنهار معاشاً. ومحا آية الليل، وجعل آية النهار مبصرة. ليصلوا بذلك إلى العلم بأوقات فروضهم التي فرضها عليهم. من الصلاة والزكاة والصيام والحج، وليعلموا عدد السنين والحساب، وحين تحل ديونهم، وتجب حقوقهم.
قال الله عز وجل وعلا: ( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ) وقال ( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب، ما خلق الله ذلك إلا بالحق ) إنعاماً منه وطولا، وإحساناً منه وفضلا.
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال:" الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة فقد مضت ستة آلاف ومئون من السنين، وليأتين عليها مئون ليس عليها موحد لله تعالى ".
وعن نافع عن ابن عمر، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إنما أجلكم في آجال من خلا من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ".
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بعثت أنا والساعة كهاتين " و أشار بالسبابة و الوسطى.
وفي حديث سهل بن سعد الساعدي قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم " ما مثلي ومثل الساعة إلا كفرسي رهان ".
وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أول ما خلق الله القلم خلقه من نور طوله خمسمائة عام، زخلق اللوح المحفوظ من درة بيضاء، حافاته من ياقوت أحمر، عرضه ما بين السماء والأرض، خلقهما قبل أن يخلق الخلق والسموات والأرض. فقال للقلم اكتب ، قال وما اكتب ، قال أكتب علمي في خلقي الىيوم القيامة، فجرى القلم بما هو كائن الى يوم القيامة، وما هو في علم الله، ينظر الله تعالى في ذلك اللوح كل يوم ثلاثمائة نظرة وستين نظرة فيخلق ويرزق ويحيي ويميت، ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ".
وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق والسموات والأرض ، قال " كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء ".
وسئل ابن عباس " على أي شيء كان الماء ، قال: على متن الريح فلما أراد الباري جل جلاله أن يخلق الخلق سلط الريح العقيم على الماء فطفت أمواجه وارتفع زبده، وعلا دخانه، وصعد فوق الماء وسما عليه، فسماه الله سماء وجمد الزبد فصار أرضأً فجعل الأرض على حوت، والحوت هو الذي ذكره الله تعالى في كتابه فقال ( ن والقلم وما يسطرون ) والحوت في الماء والماء على ظهر صفاة؛ والصفاة على متن الريح، فتزلزلت الأرض فأمر الأمواج فأرست عليها جبالاً جامدة، فاستقرت وثبتت فذلك قوله عز وجل ( وجعل فيها رواسي من فوقها )، ( وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بكم ).
قال ابن عباس: اتت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عن ابتداء الخلق فقال " خلق الله الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين وخلق الجبال وما فيها من المنافع يوم الثلاثاء وخلق الماء والشجر و المدائن والعمران يوم الأربعاء فذلك قوله جلت قدرته ( قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ) إلى قوله ( سواء للسائلين ) وخلق يوم الخميس السماء والكواكب والنجوم والملائكة.
وخلق يوم الجمعة الجنة والنار، وآدم عليه السلام، قالوا: ثم ماذا يا محمد ، قال: ثم استوى على العرش، قالو: قد أصبت ، لو أتممت وقلت ثم استراح. فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً فأنزل الله عليه ( ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وما مسنا من لغوب، فاصبر على ما يقولون ).
وقي رواية أسد بن موسى قال " أمر الله تبارك وتعالى السماء أن ترتفع وتسمو، وأمر الأرض أن تنبسط وتنخفض فانبسطت، فدحاها من موضع بيت الله الحرام ".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الدنيا موج مكفوف، ولولا ذلك لأحرقت الشمس والقمر الأرض ومن عليها، وبين كل سماء والتي تليها خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والعرش مسيرة ألف عام. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هو الأول فلا شيء قبله، والآخر فلا شيء بعده ".
وعن زرارة بن أبي أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " قلت لجبريل هل رأيت ربك قط ، فانتفض، ثم قال يا محمد إن بيني وبينه سبعين ألف حجاب من نور، لو دنوت الى واحد منها لاحترقت ".
ولما أراد الله عز وجل أن يخلق آدم أمر جبريل ان ينزل الى الأرض ويقبض القبضة التي خلقه منها، فقالت له الأرض أعوذ بالله منك أن تأخذ مني شيئاً، فرجع الى ربه، وقال يا رب تعوذَت بك مني. فأرسل اسرافيل، فقال مثل ذلك، فارسل ملك الموت فتعوذَت بالله منه، فقال ملك الموت إن ربي أمرني وأنا أعوذ به أن أرجع اليه بغير ما أمرني به.
وروى بعض أهل الأثر أن أول ما أجرى الله الروح في آدم أجراه في رأسه وعينيه قبل سائر جسده، فلما رأى ثمار الجنة أراد النهوض اليها قبل أن تبلغ الروح الى رجليه فلم يستطع فذلك قوله عز وجل ( وكان الانسان عجولا ) فلما خلق الله آدم عجبت الملائكة منه فأمرهم بالسجود له كلهم، فسجدوا طاعة لله تعالى إلا إبليس فانه تكبر وامتلأ حسداً ومعصية، فغضب الله عليه ولعنه، وكان ذلك سببَ هبوطه الى الأرض.
وأما الحكماء المتقدمون فانهم يقولون : إن الله تعال جمع الدراري في الحمل فجعل الشمس ملكاً، وصير عطارد كالكاتب، والمشتري كالقاضي، والمريخ كالشرطي وكمن يحمل السلاح، والقمر كالخازن، والزهرة كالصاحبة وزحل كالشيخ المشاور، والجوزهر كالمقوم لأمر الفلك.
وذكرت الأوائل أنه كان في الأرض ثمان وعشرون أمة مخلوقة روحانية ذوات قوة وبطش، وصور مختلفات بحذاء الثمان والعشرين منزلة، لكل منزلة، أمة مفردة.
ويزعمون أن الأمم الماضية، " تعالى الله عن قولهم "، إنما كان تدبيرها للكواكب الثابتة وهي ألف كوكب وعشرون كوكباً، يقطع كل كوكب منها البرج في ثلاثة آلاف سنة، وهي التي تعمل الأعمال كلها، وبها يكون جميع الأمور.
وقال بعض أهل الأثر: إن الله خلق الأفلاك من بخار وإنه لما صعد انعقد وهي سبعة أفلاك، وفوقها البيت المعمور، وله ثلاثمائة وستون باباً، جعلت درجاً للفلك، وإن كل رحمة وبركة إنما تنزل من تلك الأبواب، مقسومةعلى البروج والكواكب حتى تصير إلى الأرض.
وقالوا إن الله خلق خلقاً هو ملء ملكه يسمى الروح، ومن فوقه الحجب وذلك كله داخل في الكرسي. وهو قوله عز وجل ( وسع كرسيه السموات والأرض ) والكرسي وماحوى داخل في العرش، والعرش وما حوى داخل في علم الله جلت عظمته. وأعلا الدراري السبعةزحل ثم المشتري ثم المريخ ثم الشمس ثم الزهرة ثم عطارد ثم القمر.
وزعم قوم من الحكماء الأوائل ان الكواكب ملائكة، وانه جعل لها من تدبير العالم ما لم يجعل لغيرها، فلذلك عظموها وعبدوها.
وزعم قوم منهم ان الخلق العالية الذين هم الملائكة اثنا عشر صنفاً بحذاء البروج الاثني عشر، وأنهم يتوارثون، جعل الله فيمن شاء منهم حولاًوقوة يقدر أحدهم أن يكون في صورة تملأالارض عظما، ويقدر احدهم ان يكون في صورة تدخل من خرق الابرة لطفاً، ويغوص في تخوم الأرض والبحار والجبال، لا يمنعه من ذلك مانع، ومنهم من له من الأجنحة مثنى وثلاث ورباع، كما قال الله عز وجل، يلتحقون اقطار الأرض كلمحة البصر، ومنهم مخلوق من النور، ومنهم زرق من نور النار، ومنهم شعاعيون، ومنهم ملائكة الرحمة، ومنهم الحفظة والخزنة.
وهؤلاء مخلوقون من رطوبة الماء وهم حسان الوجوه سمر الالوان، ومنهم مشغولون بعبادة الله لا يعرفون غيرها، وهم في صور لاتحصى.
وقال اصحاب الطبيعة : ان الافلاك لما تم خلقها كانت كالأجسام لكواكبها وكانت الكواكب كالأرواح لها.
وقال هرمس : لما خلق الله عز وجل البروج قسم لها دوامها في سلطانه، فجعل للحمل اثني عشر ألف سنة، وللثور احد عشر ألف سنة، وللجوزاء عشرة آلاف سنة، وللأسد ثمانية آلاف سنة، وللسنبلة سبعة آلاف سنة، وللميزان ستة آلاف سنة، وللعقرب خمسة آلاف سنة، وللقوس أربعة آلاف سنة، وللجدي ثلاثة آلاف سنة، وللدلو ألفي سنة، وللحوت ألف سنة، فصار للدور ثمانية وسبعون ألف سنة، والباقي لسائر الكواكب.
ولم يكن في عدد الحمل والثور والجوزاء حيوان، وذلك ثلاثة وثلاثون ألف سنة، ولا في الأرض عالم روحاني.
فلما كان عالم السرطان تكونت دواب الماء وهوام الارض، ولما استقام الاسد في سلطانه تكونت ذوات الأربع من الدواب والبهائم.
فلما دخل سلطان السنبلة تكون الانسانان أدمانوس وحيوانوس، وكانت الطيور في سلطان الميزان.
واما مقادير الكواكب عندهم. فقالوا ان الشمس اكبر من الأرض بمائة مرة وثلاث وستين مرة، وزحل اكبر من الأرض باحدى وتسعين مرة ونصف مرة، والمشتري بإحدى وثمانين مرة، والمريخ بثلاث وسبعين مرة والزهرة بنيف وستين مرة، وعطارد بثلاث وثلاثين مرة وثلث مرة، والقمر بسبع عشرة مرة وربع مرة وكانت الشمس كالملك والدراري كما ذكرنا.
ومن الفلاسفة من يقول ان الكواكب حية ناطقة حساسة. ومنهم من قال ان لها حاسة السمع والبصر واللمس، وليس لها حاسة الذوق والشم لانها مشتغلة عن ذلك. ومنهم من زعم ان الفلك حي مميز لجميع ما فيه، ذو صورة فكذلك جميع ما فيه بهذه المنزلة.
وقالوا إن ضياء القمر مأخوذ من ضوء الشمس، لأنهما إذا اجتمعا لم يكن للقمرنور.
وقال قوم منهم العالم محدث إلا أنه لا يبيد لأنه حكمة وصنعة حكيم، والحكيم لا يفسد صنعته.

أخبار الزمان . تأليف : المسعودي




    الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 10 ديسمبر - 15:58